يدشّن التونسيون اليوم الاثنين جلسات الحوار الوطني في أعقاب توقيع الفرقاء السياسيين على وثيقة «خارطة الطريق»، وفيما توقّع الاتحاد العام للشغل الإعلان عن رئيس الحكومة المقبلة أواخر الأسبوع، اشترطت حركة النهضة استقالة حكومة العريض بتحقيق بنود على رأسها إنجاز الدستور وتحديد موعد الانتخابات، لافتة إلى أنّها لم توقّع على خارطة طريق وإنّما مبادرة للدخول في الحوار الوطني.
ووسط توقّعات المراقبين وصول عربة الحوار إلى طريق مسدود، ينتظر أن ينظر المجتمعون في قائمة مرشّحين لرئاسة الحكومة على رأسها وزير الدفاع السابق عبد الكريم الزبيدي ورئيس الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة وداد بوشماوي.
وأبان زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، أنّ «استقالة الحكومة تندرج ضمن مسار تحدث عند تحقيقه»، مضيفاً: «نسعى عبر هذه المبادرة للخروج بالبلاد من الأزمة الراهنة والحكومة الحالية لن تستقيل قبل الانتهاء من وضع الدستور وتحديد موعد الانتخابات المقبلة».
من جهته، لفت نائبه في رئاسة الحركة عبد الحميد الجلاصي، إلى أنّ «النهضة لم توقّع على خارطة الطريق وإنّما وقّعت على المبادرة للدخول في الحوار الوطني وتؤكد قبولها المبادرة، مشدّداً على أنّ «الحركة تربط استقالة الحكومة بأربع بنود أساسية متمثلة في إنجاز الدستور، القانون الانتخابي، هيئة الانتخابات وموعد محدّد للانتخابات وتوفير الضمانات الأساسية للوصول إلى الانتخابات.
وأشار الجلاصي إلى أنّ جلسة اليوم هي تمهيدية وليست أولى جلسات الحوار الوطني، مؤكدا وجود ضغوط همها الوحيد استقالة الحكومة الحالية.
لا مخاوف
على الصعيد، ردّ الأمين العام لحركة النهضة ورئيس الحكومة السابقة حمادي الجبالي على ما يقال حول تمسّك الحركة بالحكم خوفا من المحاسبة قائلاً: «دعونا من هذا الحديث نحن لا نخشى المحاسبة فنحن مناضلون ونحن صناع الثورة ولا نخشى السجون، وأقول للآخرين دعوكم من قول: تخلوا عن السلطة ولا نحاسبكم، المهم لدينا هو استكمال الثورة والمسار الانتقالي».
رفض أحزاب
ورفض حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي يتزعمه الرئيس المنصف المرزوقي التوقيع على خارطة الطريق في موقف ذكّر التونسيين برفضه التوقيع على وثيقة الانتقال الديمقراطي يوم 15سبتمبر 2011 ، كما رفض حزبان آخران هما تيار المحبّة والتنمية والإصلاح التوقيع على ورقة العمل.
ضغوط سياسية
في غضون ذلك، أكّد الأمين العام لحزب المؤتمر من أجل الجمهورية عماد الدايمي، أنّ «فرض التوقيع على هذه الوثيقة في آخر لحظة جاء نتيجة ضغوط من أطراف سياسية بعينها وهي مسألة لا يمكن القبول بها كشرط من شروط الدخول في الحوار»، مضيفاً: «نحن دخلنا الحوار دون شروط ولن نقبل بمنطق الاشتراطات المسبّقة».
وشدّد الدايمي على أنّ «من يريد الحوار عليه أن يأتي إليه دون شروط مسبّقة باعتبار أن الاطراف الموجودة جاءت بدعوة من الأطراف الراعية وهذا يعني أنّها جميعا جاءت بعد أن وافقت على القبول بهذه المبادرة كمنطلق للحوار ولا مجال للحسابات الضيقة في مثل هذا الشأن الذي يهم البلاد»، موضحاً رفضه ما أسماه المزايدات السياسية على حزب المؤتمر في القبول بهذه المبادرة على اعتبار أنّه أول من رحب بها وأصدر بيانا في هذا الشأن.
توافق أطراف
في السياق، قال وزير التجارة والقيادي في حزب المؤتمر من أجل الجمهورية عبد الوهاب معطر، إنّ «قبول الحزب بمبادرة الرباعي لا يفترض تأكيدا كتابيا والتوقيع على أي وثيقة»، مضيفاً أنّ «التوقيع على الخارطة يأتي بعد التوافق على النقاط الخلافية وليس قبل بدء الحوار ليكون ملزماً لكل الأطراف».
واعتبر معطر أنّ «في التوقيع على خارطة الطريق دون مناقشة تفاصيلها تجاهل لمؤسسات الدولة، والتحاور خارج أطرها ربما يؤدي إلى الدخول في مرحلة من الابتزاز والمزايدة بما قد يزيد من تصعيد الأزمة»، مبيّناً أنّ «المؤتمر انسحب من الجلسة الافتتاحية للحوار وسيعاود الاجتماع لمناقشته مسألة التوقيع على الخارطة».
امتناع تيار
وعن موقف تيّار المحبة الرافض التوقيع على خارطة الطريق، أفاد الناطق الرسمي باسمه سعيد الخرشوفي، أنّ «موقف الحزب جاء بناء على اشتراط انطلاق الحوار بالتوقيع على المبادرة وهو ما لم يكن مطروحا سابقا»، لافتاً إلى أنّ «إضافة كلمة «وجوبا» في النقطة المتعلقة باستكمال العمل التأسيسي للمجلس الوطني التأسيسي ضمن المبادرة يحيل إلى أنّ هذه المبادرة لم تعد منطلقا للحوار، وإنما هي ملزمة للممضين عليها وبالتالي من المفترض إجراء مزيد من التشاور».
بدوره، أبان أمين عام حزب الإصلاح والتنمية محمد القوماني، أنّ «رفض التوقيع هو تعبير عن رفض صيغة التوقيع قبل الحوار والابتزاز السياسي» مشيرا إلى أنّ شرط التوقيع أملته جبهة الإنقاذ في بيانها الخميس الماضي، معتبراً أنّ «الرباعي انحاز لهذا الشرط ولطرف ضد آخر وأنّه سيعود لمؤسسات الحزب للنظر في هذا الموقف».
ولفت القوماني إلى أنّ «الدعوة التي تلقاها الحزب لم تتضمّن التنصيص على توقيع المبادرة، وعليه قبل الدعوة على اعتبار أنّ المبادرة قدّمت مادة للحوار يتم التوقيع عليها بعد الاتفاق».
«النهضة» تعزل نفسها عن تونس بالمرجعية الإخوانية
رغم أن التحالفات هي من طبيعة الحياة السياسية في الدول التي فيها هامش من الحرية السياسية، وفيها برلمان حر منتخب، إلا أن الأمر في تونس يبدو بعيد المنال بالنسبة لحركة «النهضة»، حيث تحرص القوى المدنية على النأي بنفسها عن عقد مثل هذه التحالفات بسبب المرجعية الإخوانية المباشرة لـ«النهضة»، الأمر الذي يجعل من الصعوبة الإيمان بأن الحركة تنطلق من مصلحة تونس.
وأكد الأمين العام لحركة «نداء تونس» الطيب البكوش، أن التحالف مع حركة النهضة غير ممكن، وهو من رابع المستحيلات باعتبارها فرعاً تابعاً للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين. وقال في تصريحات صحافية مساء أول من أمس: «هناك تباين كبير في الفكر والمواقف بيننا وبين حركة النهضة التابعة للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين بكل ما يعنيه ذلك من اختيارات».
ورغم الحديث عن إمكانية تقاسم السلطة في البلاد بين حركتي «النهضة» و«نداء تونس»، إلّا أن التناقض التام بين مرجعيتي الحزبين يجعل ذلك صعباً، وهو ما تأكد في الأسابيع الماضية عندما أيدت حركة «نداء تونس» ثورة 30 يونيو التي أطاحت بحكم الإخوان في مصر، وانتقد رئيسها الباجي قائد السبسي موقف الرئيس المنصف المرزوقي من الوضع المصري، في حين دافعت حركة النهضة بشراسة عن نظام الرئيس المعزول محمد مرسي وجندت وسائل إعلامها لتشويه الوقائع.
وفي حين تتبنى حركة «نداء تونس» انطلاقاً من مرجعيتها الليبيرالية، كل ما يتعلق بحماية وتحصين الحريات العامة وحرية المرأة والمعتقد، تعتمد حركة النهضة تدرجاً منهجياً في الوصول إلى أهدافها في تغيير المجتمع نحو النموذج الذي تطمح إليه عبر التمكين والتغلغل في مفاصل الدولة، وعبر الترويج لمشروع ثقافي مختلف.
ودفعت الخشية من تغيير النموذج المجتمعي، بحركة «نداء تونس» إلى التحالف مع قوى يسارية وماركسية وقومية تختلف معها فكرياً وإيديولوجياً ومنها تحالف الجبهة الشعبية.
