قتل 40 شخصاً في العراق أمس، نصفهم من الأطفال وأصيب 44 اخرون في تفجيرين انتحاريين بسيارتيْن مفخّختيْن استهدفا مركزاً للشرطة ومدرسة ابتدائية في قرية للتركمان شمال العراق قرب الحدود السورية وزواراً في العاصمة بغداد، فيما اكد رئيس مجلس النواب العراقي أسامة النجيفي أن «ما يجري في العراق حرب طائفية حقيقية»، داعيا الحكومة إلى أخذ الأمور على محمل الجد.
وقال قائمقام قضاء تلعفر (380 كيلومترا شمالي بغداد) عبدالعال عباس ان «انتحاريين فجرا سيارتيهما بفارق زمني ضئيل عند مركز للشرطة ومدرسة ابتدائية في قرية القبك»، موضحاً أنّ الهجوم أسفر عن مقتل 15 طفلا وعشرة من عناصر الشرطة واصابة 44 اخرين.
وذكر عباس ان «الانتحاري الأول اقتحم مركز الشرطة في قرية القبك، وبعد مرور دقائق، اقتحم انتحاري يقود شاحنة كبيرة مدرسة ابتدائية مجاورة للمركز وفجر نفسه»، مشيرا إلى أن عشرات الأطفال لا يزالون تحت انقاض السقوف التي انهارت بالكامل عليهم».
ويعمل عشرات من عناصر الأمن وقوات الدفاع المدني منذ الصباح على استخراج الأطفال العالقين تحت الأنقاض.
هجمات ضد الزوار
وفي هجمات اخرى، فجّر انتحاري نفسه بين مجموعة من الزوار الإيرانيين ما ادى الى مقتل 15 منهم على الاقل.
وقال ضابط برتبة عقيد في وزارة الداخلية ان 15 شخصا على الأقل قتلوا وأصيب 17 اخرون بجروح في هجوم انتحاري استهدف زواراً قرب جامع النداء في منطقة الوزيرية شمال بغداد ا بينهم ضابط في المرور .
من جهة أخرى، خطف مسلحون مجهولون مقدما في الجيش العراقي وثلاثة من اقاربه من منزله في قرية البو عجيل شمال مدينة تكريت (160 كيلومترا شمال بغداد). وبحسب مصدر في شرطة المدينة، فان «المسلحين كانوا يرتدون زي الشرطة وقاموا بسرقة الأموال ومصوغات ذهبية داخل منزل المقدم احمد بدر العجيلي».
نجاة من الاغتيال
الى ذلك، نجا مدير ناحية بلدة سليمان بيك طالب البياتي من محاولة اغتيال بعبوة ناسفة استهدفت موكبه شرق المدينة الواقعة ضمن محافظة صلاح الدين شمال بغداد، بحسب مصادر امنية.
حرب دموية
ودان رئيس مجلس النواب أسامة النجيفي التفجيرات «الإجرامية».
وقال النجيفي ان «هذه الاعتداءات غير الأخلاقية التي تستهدف الأطفال في المدارس كما حدث في تلعفر وزوار الاماكن المقدسة في بغداد إنما هي استهداف للشعب بكل طوائفه ومحاولة جديدة لتفتيت العرى الوطنية وتمزيق النسيج الاجتماعي»، وأضاف ان «ما يجري في العراق هو حرب طائفية حقيقية استخدم الضالون فيها كل أساليب القتل والابادة والترويع، من غير ان يردعهم وازع ديني او أخلاقي او انساني، وهم مصرون على جر العراق الى اتون حرب دموية من خلال إثارة الفتنة القومية والمذهبية وبث الفرقة والشحناء بين مكوناته».
وطالب النجيفي «الحكومة وأجهزتها الأمنية بضرورة ايلاء حماية الشعب أهمية قصوى، واخذ الأمور على محمل الجد وعدم الاختباء خلف ستار الصمت وكأن الأمر لا يعنيهم، فالأحداث باتت خطيرة ومتعددة الجوانب في حين ان أمكانيات الأجهزة الأمنية لم ترتق الى الحد الذي يمكنها من مواجهة هذه الاخطار».
العراق أسير الفتنة الطائفية والسياسية
الاتهامات قائمة ومتبادلة بين الكتل السياسية في العراق بالتسبب في إشعال فتيل الفتنة الطائفية، في الوقت الذي تتعرض فيه العوائل العراقية من جديد إلى خطر التهجير والقتل على الهوية والتفجيرات، فيما يحصد المواطن نتائج الخلافات والتصفيات السياسية عبر تفجيرات يومية تلاحقه حيث يحرقه الإرهاب بناره دون أن تساعده الأجهزة الأمنية على الخلاص منه، بل بالعكس، فهي تجعل الأمور أصعب بالنسبة له، بمضاعفة الإجراءات الأمنية التي تحد من حركته وتربك حياته دون جدوى، وباعتقالات عشوائية تطال الأبرياء، واغلبها تحمل طابعا طائفيا.
عنف همجي
ويقول ناشطون في منظمات المجتمع المدني إنهم «استبشروا خيرا حين ظهرت نتائج انتخابات مجالس المحافظات، لأن هناك تحالفات جديدة وقوائم معتدلة تفوقت على القوائم التي تحمل سمة طائفية، وصار من الممكن ظهور وجوه جديدة في بغداد والمحافظات، تعمل على تصحيح مسار العملية السياسية في العراق، لكن موجة العنف عادت من جديد بشكل كبير، عبر الانفجارات التي توزعت بين المناطق السنية والشيعية، بشكل يهدف إلى تأجيج الفتنة الطائفية، وتوحي بان ما تجري من خلافات سياسية، فضلا عن تدخلات خارجية، تجد انعكاسها في الشارع وان ما يحدث هو ترجمة لتلك الخلافات، وليس إرهابا لغرض الإرهاب فقط».
توخ للحذر
وحمّل المحلل السياسي واثق الهاشمي الحكومة مسؤولية حماية المواطن العراقي من الانهيار الأمني الذي يقود العراق حثيثا إلى احتمال قيام عنف طائفي، محذرا من وجود مشاريع مشبوهة قادمة من الخارج تتضمن إشعال حرب طائفية طاحنة، تمهيدا لتقسيم العراق إلى دويلات ضعيفة، ودليله على ذلك التدهور الأمني الذي شهدته العاصمة والمحافظات أخيرا.
ودعا الهاشمي السياسيين والقادة إلى توخي الحذر وعدم الانجرار وراء المخططات الخارجية ووضع المصلحة الوطنية للبلد فوق المصلحة الشخصية والتكتلات الطائفية، متوقعاً أن تكون المرحلة المقبلة هي الأصعب والأكثر قسوة على الشعب العراقي الذي عانى الكثير ومازال يعاني من حكوماته، بسبب قرب موسم الانتخابات البرلمانية.
وتعترف الموظفة فاطمة نعمة، التي يدرس ابنها حاليا في منطقة سبق أن شهدت أعمال عنف طائفي، بأن «الخوف عاد ليجثم على صدور العراقيين بعد الأحداث الأخيرة ومحاولات إعادة العنف الطائفي، مشيرة إلى أنها ستحاول نقله إلى منطقة اقرب لمنزله، لكن ذلك ليس حلا في نظرها، فعودة الطائفية ستعيد العراقيين إلى أيام فقدوا فيها الثقة في اقرب الناس إليهم وصار يمكن أن يصادفوا سيطرات وهمية تختطف وتقتل أفرادا منهم على الهوية ولا يمكنهم التفريق بين القوات الأمنية التي تنتشر لحمايتهم أو التي تعمل على قتلهم».
غياب الآمال
من جهتها، لا تجد النائبة البرلمانية إزهار الشيخلي في التحالفات الجديدة أملا كبيرا، ما لم تنبذ مشاريعها الطائفية وتتعامل وفق رؤية عراقية جديدة للعملية السياسية، فالبلد يحتاج قبل كل شيء إلى مغادرة التخندق الطائفي من قبل السياسيين والسعي إلى تأسيس مشاريع وطنية تدعو إلى خدمة المواطن، ولا تتوقع الشيخلي عودة الطائفية إلى الشارع العراقي لأن العراقيين فقدوا الكثير، ولم يعد باستطاعتهم فقدان تعايشهم مع بعضهم.
في المقابل، لا يرى القاضي محمد التميمي في المستقبل القريب الكثير من الظلمة لأن العراقيين، وفق رأيه، فهموا الدرس جيدا ولن يسمحوا بقيام طائفية جديدة حتى لو سعت إليها أطراف داخلية أو خارجية.
وحذّر التميمي من التأثر بالتصريحات الرنانة التي يطلقها بعض السياسيين لأغراض تخص مصالحهم الشخصية وأجنداتهم الانتخابية، فهم يلوحون بورقة الطائفية لأن وجوههم الحقيقية انكشفت ولم يعد لديهم ما يخدعون به المواطن العراقي ليعمل على انتخابهم.
وقتل المئات في العراق منذ بداية سبتمبر الماضي قضى عدد كبير منهم في هجمات استهدفت مجالس عزاء سنية وشيعية.
عودة
عادت الى العراق أخيرا تنظيمات مسلحة غابت عن مسامع العراقيين منذ الانسحاب العسكري الاميركي نهاية العام الماضي، وعلى رأسها تنظيم دولة العراق الإسلامية، الفرع العراقي لتنظيم القاعدة الذي غير اسمه الى «الدولة الإسلامية في العراق والشام».
