قبل ساعات من انطلاق الحوار الوطني في تونس، لا يزال المراقبون يشككون في إمكانية التوصّل الى حلّ يرضى جميع الأطراف، خاصة في ما يتعلق بحل الحكومة الحالية وتشكيل حكومة كفاءات وطنية تشرف على إنهاء المسار الانتقالي.

فالخطاب السياسي في تونس ينمّ عن صراع إيديولوجي مكبوت ومواجهة حادة ليس بين الفاعلين السياسيين فحسب، وإنما بين فكرة الدولة المدنية التي يتبناها الليبيراليون واليساريون والدستوريون من أنصار الحبيب بورقيبة، ومشروع الدولة الدينية التي تسعى الى تكريسها حركة النهضة، ومن ورائها الجماعات السلفية، وهي تيارات تبدو مختلفة استراتيجيا، ولكنها تتفق تكتيكيا على استبعاد من تصفهم بـ«العلمانيين» من الساحة السياسية، ومنعهم من الوصول الى سدة الحكم.

تحالف واغتيال

ويبدو تحالف «النهضة» التكتيكي مع الجماعات السلفية من خلال عمليتي الاغتيال اللتين طالتا معارضين شرسين لحركة النهضة، هما القياديان في الجبهة الشعبية شكري بلعيد ومحمد البراهمي. كما أن التهديدات بالتصفية طالت أغلب المعارضين البارزين للحكومة التي تقودها الحركة، الأمر الذي تطلّب توفير حراسات من قبل وزارة الداخلية. ووصل عدد الشخصيات الخاضعة إلى الحراسة حوالي 80، أضيف إليهم رئيس المجلس التأسيسي وزعيم حزب التكتل الديمقراطي للعمل والحريات مصطفى بن جعفر الذي يتهمه جزء من «الترويكا» وصقور «النهضة» والمتعصبون لمشروع الدولة الدينية بـ«مهادنة المعارضة والدفاع عن المشروع العلماني وبالعلاقات المنفتحة على الغرب». ثم تبيّن أن تهديدات جدية باتت تحدق بقيادات الاتحاد العام للشغل، بسبب المبادرة التي أطلقها، والتي تدعو الى حل الحكومة وتشكيل حكومة كفاءات وطنية. ومنذ الاثنين الماضي، تحوّل مقر الاتحاد الى منطقة حراسة مشددة، مخافة تعرّضه إلى التفجير أو العمليات الانتحارية.

تناقض المواقف

ويتهم الإسلاميون من إخوان وسلفيين متشددين وصقور «النهضة» الاتحاد العام للشغل بـ«معاداة المشروع الإسلامي وتبني الخيارات المدنية والعلمانية نظرا للمرجعيات الفكرية اليسارية التي ينطلق منها خطاب قياداته»، وهو ما يراه المراقبون أمرا طبيعياً، حيث ان الفكرة النقابية مرتبطة أساسا باليسار الاشتراكي، ولا أثر لها في المشروع الديني.

ويمكن ملاحظة انعكاسات هذا الوضع في الانقسام الحاد داخل «النهضة» التي صرّح رئيسها الجمعة الماضية بقبول خريطة الطريق التي اقترحها رباعي المبادرة الوطنية المنظم للحوار الوطني، ثم جاء الرد من الناطق الرسمي باسم الحكومة عبد السلام الزبيدي، الذي نفى وجود نيّة باستقالة حكومة علي العريض، وكذلك ذهب وزير النقل عبد الكريم الهاروني، الذي قال ان الحكومة «لن تستقيل قبل الانتهاء من انجاز الدستور وتحديد موعد الانتخابات».

صراع وجود

ولم يختلف موقف الهاروني عن مواقف بقية قيادات «النهضة» وحفائها وجماعات الإسلام السياسي في تونس، التي ترى أن التنازل عن الحكم خلال هذه المرحلة قد يؤدي الى إسقاط خيار ترسيخ ثورة 14 يناير كثورة إسلامية. كما أن المجيء بحكومة كفاءات وطنية قد يكشف الكثير من الملفات والوثائق التي تدين بعض المسؤولين الحاليين بالتورط في الإرهاب أو التستّر عليه، مثلما أعلنت المعارضة في أكثر من مناسبة، آخرها كان اول من أمس. ويرى معارضو خريطة الطريق أن الصراع الحالي في تونس هو صراع وجود بين مشروعي الدولة المدنية والدولة الدينية، وأن السيناريو المصري قد يتكرّر فيتم إنهاء مرحلة حكم الإسلاميين واعتقال رموزها بتهم عدة.

ضمانات

تسعى واشنطن وباريس وبرلين ولندن منذ فترة إلى توفير ضمانات للحكومة الحالية ولحركة النهضة بعدم الإقصاء من المرحلة الانتقالية والمستقبل السياسي العام في البلاد.