بعد مرور الذكرى الثالثة عشرة لانتفاضة الأقصى التي بدأت يوم الثامن والعشرين من سبتمبر من عام 2000 عاد الحديث عن انتفاضة فلسطينية جديدة بشكل خجول ومرتبك، دون إرادة حقيقية شعبية وفصائلية، في ظل حالة احتقان وإحباط شديدة عند الجمهور الفلسطيني في الضفة وغزة، ويرى مراقبون في هذه الحالة نتاجا طبيعيا لغياب الإنجازات الحقيقية للانتفاضة الأخيرة من جهة، والمفاوضات المتكررة من جهة أخرى، رغم ما مر به الشعب الفلسطيني من معاناة خلال هذه السنوات الماضية.

الحالة الفلسطينية بكل تفاصيلها السياسية والاقتصادية والاجتماعية توفر أرضية خصبة وشروطاً مثالية للانتفاضة على اختلاف أشكالها وأنواعها، شعبية كانت أم مسلحة، فصبر الفلسطينيين على سياسات الاحتلال صار قاب قوسين أو أدنى من النفاد أو الانفجار، في ظل كرامة مهانة بفعل الاحتلال، والحصار المفروض، وسرقة الأرض، وتدنيس المقدسات وتهويدها، وسوء الحاضر، وغياب التقدم والإنجازات، وانسداد آفاق المستقبل، والحالة الاقتصادية وما يلفها من عجز ومشكلات، من غلاء للأسعار، وارتفاع الضرائب، وانتشار البطالة، وزيادة الفقر، وتدني الأجور، وانخفاض معدل الدخل، وما خلّفه ذلك من انتشار أوسع للجرائم الاجتماعية المتعددة والمختلفة، من قتل وسرقة وغيرها، والتي بدأت بالتفاقم والازدياد بشكل ملحوظ في المجتمع الفلسطيني.

انتفاضة ممكنة

وفي ذات السياق يرى المحلل السياسي سمير عباهرة في حديثه لـ«البيان» أن حادثتي قتل الجنديين الإسرائيليين في قلقيلية والخليل انعكاس لتمرد فلسطيني على هذه الحالة من الركود القائم، والخسارة الفلسطينية المتواصلة، نتيجة تنكر الاحتلال للحقوق الفلسطينية المشروعة، واستمرار عجز المجتمع الدولي من معاقبة اسرائيل أو فرض ضغوط حقيقية عليها، نظرا لتحالفها الاستراتيجي الأميركي، وأضاف «وهذا مؤشر على بداية تصاعد الرفض الفلسطيني للواقع الحالي والحاضر الصعب وبداية لعمليات أخرى من المتوقع ان تحدث في المستقبل القريب، بحيث تتصاعد المواجهة أكثر فأكثر، وصولا إلى حدث كبير سيكون الشرارة لانتفاضة جديدة ما لم تغير اسرائيل من سياساتها سريعا».

وأوضح مراقبون لـ«البيان» أن الحل لا يكمن في تفجير الانتفاضات، وإنما في تحقيق الاستراتيجيات الوطنية الموحدة لمواجهة ظلم واعتداء إسرائيل على الشعب الفلسطيني، وهذا ما تفتقد إليه الساحة الفلسطينية، فإسرائيل تحاول بأي طريقة جر الشعب الفلسطيني، عبر تكريسها لمظاهر الاحتلال، إلى مربع العنف و الغضب والفلتان والانتفاضة غير المضبوطة، لإفشال الجهود الدوبلوماسية الدولية، وكسر عزلة اسرائيل والتهرب من استحقاقات التسوية.

وحذر المحلل السياسي تحسين يقين في حديثه لـ«البيان» من الدفع باتجاه انتفاضة دون استراتيجية واضحة وخطوات موحدة ومدروسة، وأضاف «نعم للانتفاضة الجديدة ولكن وفق استراتيجية وطنية فصائلية وشعبية موحدة، لمواجهة المخاطر التي تحدق بالقضية الفلسطينية، انتفاضة تكسبنا تأييدا دوليا، وتدعم موقفنا في المفاوضات، وتخدم التحركات الفلسطينية الدوبلوماسية التي نجحت في عزل اسرائيل وكسب التأييد للقضية الفلسطينية».

 

أزمة ثقة

أوضح المحلل السياسي سعيد داوود لـ«البيان» أن المشكلة الفلسطينية تكمن في أن الدبلوماسية الفلسطينية المتمثلة في الرئيس محمود عباس لا تثق بالقدرة الفلسطينية على إشعال انتفاضة مدروسة ومضبوطة وموحدة تخدم رؤيته السلمية وأهدافه وتحركاته، ومن جهة أخرى فإن المطالبين بالانتفاضة الشعبية لا يثقون بجدوى ما يقوم به الرئيس محمود عباس من محاصرة لإسرائيل وتعرية لسياساتها، لعدم ثقتهم بقدرة المجتمع الدولي على وقف اسرائيل عند حدها واعادة الحق الفلسطيني، وأضاف «لو أن الموقفين موحدان لخدم كل منهما الآخر، ولنجحت الانتفاضة ونجحت الجهود الدولية، وساهم كل منهما في دفع ودعم وتأييد الآخر، لما فيه مصلحة المشروع الوطني الفلسطيني التحرري».