في خضم الاضطرابات التي يشهدها السودان احتجاجا على الإجراءات الاقتصادية التي أعلنتها الحكومة، وقّع الرئيس عمر البشير على هيكلة الأجور الجديدة للعاملين في الدولة بهدف تنفيس الاحتقان الشعبي، لكنه في المقابل دافع عن سياسة رفع الأسعار واعتبر ما جرى سببه «مخربون» راصداً «مؤامرة ضد البلاد».. فيما أطلقت المعارضة أول دعوة علنية لمناصريها للخروج في تظاهرات سلمية للتنديد بتلك السياسات، تزامنا مع حملة اعتقالات واسعة شنتها قوى الأمن في صفوف قادة المعارضة.

وفي شأن الأجور، قال رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال السودان إبراهيم غندور إن البشير وقع على المنشور الخاص بهيكلة القطاع العام والأجور يتضمن الزيادات الجديدة لكل قطاعات العاملين، مضيفا أن التطبيق سيكون بأثر رجعي ابتداء من يناير الماضي، على أن يتم الصرف ابتداء من راتب أكتوبر.

وأوضح غندور أن جدولة المتأخرات ستتم باتفاق بين وزارة المالية واتحاد نقابات عمال السودان.

البشير يدافع

في خضم ذلك، أكد الرئيس السوداني حرص بلاده على التعاون مع دول الجوار وشركاء الوطن «في نبذ العنف، ومن أجل إكمال مشروعات التنمية التي بدأت خلال الأعوام الماضية وتأخر تنفيذها كثيرا، بسبب قلة التمويل».

وأشاد البشير، في كلمة أمس ارتدى خلالها زيه العسكري وجميع نياشينه، في أول ظهور له منذ تفجر الاحتجاجات في احتفال الأكاديمية العسكرية السودانية بتخريج دفعة جديدة، بدور القوات المسلحة في الحفاظ علي مكتسبات الأُمة.

وقال البشير إن الإجراءات الاقتصادية الأخيرة «جاءت لتفادي انهيار الاقتصاد بعد زيادة التضخم واختلال سعر الصرف»، مشيرا إلى أن الاقتصاد تأثر سلبا عقب انفصال الجنوب، وخروج البترول من الموازنة العامة للدولة، وموضحا أنه «تم شرح ذلك للمواطنين».

وأكد الرئيس السوداني أن «التظاهر السلمي حق مكفول للتعبير عن الرأي عبر أسلوب حضاري»، وترحم على أرواح الشهداء في تلك الأحداث المؤسفة، مشيدا بـ «دور الشعب في تفويت الفرصة على المخربين، وإفشال مؤامراتهم ضد البلاد».

المعارضة تدعو

بالمقابل، جاهر كل من زعيم حزب المؤتمر الشعبي حسن الترابي وزعيم حزب الأمة الصادق المهدى بدعوة مناصريهما للانضمام إلى الاحتجاجات السلمية التي انتظمت في أجزاء واسعة من السودان منذ أكثر من أسبوع، وذلك في أول مناشدة صريحة من الرجلين منذ اندلاع التظاهرات.

ودعا المهدي أعضاء حزب الأمة القومي والشعب السوداني بكافة شرائحه إلى تصعيد الاحتجاجات وإبداء المطالب بالوسائل السلمية وتنظيم المواكب والتظاهرات والاعتصامات.

واعلن رئيس جامعة الاحفاد للبنات في الخرطوم ان طالبات هذه الجامعة تظاهرن أمس، لليوم الثاني على التوالي، في اليوم التاسع للتظاهرات المناهضة للحكومة.

اعتقالات قيادات

في غضون ذلك، شنّت سلطات الامن خلال الـ 48 ساعة الماضية حملات اعتقالات واسعة شملت عددا من قيادات تحالف المعارضة.

ونفذت السلطات خلال الأيام الماضية حملة اعتقالات في صفوف تحالف قوى الاجماع الوطني، الذي يضم اكثر من عشرين حزبا معارضا، كما كثفت خلال الليلة قبل الماضية وأمس الحملة باعتقال قيادات معارضة، كان ابرزها رئيس حزب المؤتمر السوداني ابراهيم الشيخ، والقيادي في الحزب الشيوعي صديق يوسف، والقياديان في حزب البعث العربي وجدي صالح عبده وساطع الحاج المحامي، والقيادي المعارض عثمان ادريس ابو راس.

وقال الناطق باسم تحالف المعارضة كمال عمر لـ «البيان» انه «بات من الصعب حصر منتسبي المعارضة الذين تم اعتقالهم خلال الايام الماضية لكثرتهم».

وأضاف عمر «نحن نواجه بحملة اعتقالات ضخمة، والسلطات باتت تطارد فينا واحدا تلو الآخر».

مساعد البشير يدين

وفي تطور لافت، شجب مساعد الرئيس السوداني عبد الرحمن الصادق المهدي استخدام السلطات الامنية السودانية العنف المفرط في مواجهة المتظاهرين.

وقال المهدي إن «التشاور حول القرارات الاقتصادية مع القوى السياسية لم يسفر عن التفاهم المطلوب، رغم المساعي التي بذلت ليكون القرار حولها عبر استشارة وتنوير الطيف السياسي وبالتوافق والتراضي».

وأضاف مساعد الرئيس السوداني إن «رفض القرارات أمر مشروع، وكذلك التعبير عنه بوسائل مدنية». واستدرك: «لكن التخريب وحرق الممتلكات مرفوض، وكذلك ترويع المواطنين والعنف، وهذا ما أكدت عليه جميع القوى السياسية».

وتعهد المهدي بالتحقيق لكشف الجهات التي نفذت عمليات التخريب ومساءلتها، مؤكدا أن التصدي للتظاهرات كان فيه عنفا مفرطا وقع ضحيته متظاهرون سلميون.

 

تجاهل أميركي

اجتمع وزير الخارجية الأميركي جون كيري أول من أمس مع نظيره السوداني علي كارتي، في لقاء نادر بين البلدين، حيث تشهد العلاقات فتوراً، إلا أن اللقاء الذي لم يكن مطولاً، لم يتطرق إلى عمليات قمع المتظاهرين في السودان، حسب ما أعلنت وزارة الخارجية الأميركية. وكانت وزارة الخارجية الأميركية نددت الجمعة في بيان بـ «القمع الوحشي» للمتظاهرين المناهضين للحكومة في السودان، والذي لقي خلاله عشرات الأشخاص حتفهم.

لكن الاضطرابات في السودان «لم تطرح على طاولة المحادثات» خلال اللقاء بين كيري وكارتي، حسب ما أعلنت الناطقة باسم وزارة الخارجية جنيفر بساكي. أ.ف.ب

 

«الشهيد صلاح» رمزاً لضحايا التظاهرات

أصبح اسم صلاح سنهوري (29 عاما) هتافاً تردده حناجر المتظاهرين في ليل الخرطوم، بعد ان أصبح رمزا للذين قتلوا جراء قمع السلطات للمتظاهرين منذ اسبوع في السودان.

وتهتف مجموعة من المتظاهرين خارج منزل صلاح، الشاب الصيدلي الذي قتل اثناء تظاهرات الجمعة، «بالروح بالدم نفديك يا صلاح».

ويقول يوسف محمود، المدرس الخمسيني وشقيق احد المتظاهرين الذين قتلوا في ام درمان الملاصقة للخرطوم، «نخن غاضبون جدا لأن هؤلاء المتظاهرين لم يكن لديهم من سلاح سوى الحجارة والهتاف».

وبقي اغلب اسماء الضحايا مجهولًا، لكن اسم سنهوري الذي ينتمي الى اسرة مشهورة ولديها شركات ومصانع، اصبح كثير التداول على الانترنت وشارك آلاف الاشخاص السبت في تشييع جثمانه.

وكتب احد الناشطين السودانيين تغريدة، تحت اسم ثوري سوداني، «يا صلاح إنت ميت أو حي رمزا للحرية. وموتك سيكون بداية لنهاية 24 عاما من الطغيان».

وخارج منزل سنهوري على طريق ترابي في منطقة «بري» وعلى مقربة من اغلى مستشفى في الخرطوم، قال مدثر والد صلاح ان ابنه ولد في الخارج، وبعد ان درس الصيدلة اختار العودة قبل عامين الى السودان. وكان الثاني من بين سبعة ابناء.

وبحسب الاقارب، فإن صلاح سنهوري كان قلقا من اثر رفع اسعار المحروقات على الأقل حظا في بلد يصنف بين الأفقر في العالم، ويشهد منذ اكثر من عامين ارتفاعا كبيرا في نسبة التضخم.