شكّلت تفجيرات أربيل يوم الأحد الماضي صدمة مذهلة في المشهد السياسي والأمني بإقليم كردستان، الذي يعد من أبرز المناطق الآمنة في العراق، وربما في المنطقة، والملاذ الآمن للعراقيين، وللهاربين من دول الجوار، لاسيما وأن هذه التفجيرات جاءت متزامنة مع شبه ارتباك في المشهد السياسي، بعد يوم واحد من الإعلان عن نتائج انتخابات إقليم كردستان، وجاءت في توقيت خطير يراد منه إحداث هزة في البيت الكردي وإشعال فتنة في الإقليم هو في غنى عنها.
وليس المهم في نظر المراقبين إن كان الهجوم قد فشل أو نجح، وإنما المهم هو الشرخ الأمني الذي نفذت منه السيارات والعناصر المفخخة، لأن ذلك يعني إمكانية الاختراق في أي وقت آخر.
وبحسب مصادر أمنية، إن «استهداف اربيل كان متوقعاً، بسبب دعم حكومة الإقليم لأكراد سوريا، في مواجهاتهم لقوات «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، وان الأمن الكردي كان قد اخضع للمراقبة عدداً من المشتبه بهم، وعلى الرغم من ذلك حصل الهجوم».
توقيت خطير
وبحسب المحلل السياسي الكردي هافال زاخويي: إن «تفجيرات اربيل جاءت في توقيت خطير يراد منه إحداث هزة في البيت الكردي وإشعال فتنة في الإقليم هو في غنى عنها، كما ويهدف إلى الإطاحة بهيبة الأمن الكردي، تلك الهيبة التي يتباهى المواطن الكردي في كل مكان».
ومع الاعتقاد بأن جميع التيارات السياسية الكردية تعي ما يحصل، وهي بمستوى الحدث، فإن عليها أن تدرك ما هو أكثر خطورة، فإقليم كردستان الآن أصبح في مرمى الإرهاب، وجميع التيارات السياسية تتحمل مسؤولية حفظ الأمن والاستقرار، ويفترض أن تعيد أجهزة الأمن الكردية النظر في إستراتيجيتها وخططها الأمنية، خصوصاً في العاصمة أربيل فهي الآن على المحك وتحت الاختبار.
موقع حساس
ويرى المحللون السياسيون أن ما يدور في إقليم كردستان جزء مهم من المعادلة الأمنية والسياسية المتخلخلة القائمة في المنطقة، فهذا الإقليم الآمن المنتعش اقتصادياً المستقر أمنياً نسبياً يقع في منطقة حساسة وخطيرة للغاية، «فالموقع الجغرافي هو المثلث الإيراني التركي السوري، تلك الحدود الملتهبة أصلاً بسبب القضية الكردية في هذه الدول أصلاً، ومن ثم بسبب خلافات والصراعات التقليدية لهذه الدول حول النفوذ والمياه والاقتصاد وقيادة المنطقة ولعب الدور المحوري، بالإضافة إلى إحاطة هذا الإقليم من الجنوب بمحافظات ساخنة ومرتبكة أمنياً كالموصل وكركوك».
من هنا.. يمكن القول إن إقليم كردستان محاط بالعواصف، ثم دخل الارتباك السياسي داخل الإقليم بعد الانتخابات. إلا أن حكومة اربيل، في بحر العواصف هذا تبدو أكثر أمناً وأماناً من حكومة السليمانية، وبقية أنحاء إقليم كردستان.
ويرى المراقبون، أن منفذي الهجوم كان بإمكانهم تنفيذ عمليات في أي مكان آخر من الإقليم، إلا أن اختيار المديرية العامة للأمن، للهجوم، لم يكن القصد منه احتلاله، وإنما إسقاط الهيبة الأمنية للإقليم، إذ حتى لو تمكنوا من احتلاله، فإن النتيجة هي نهايتهم الحتمية. وقد اكتفى تنظيم «داعش» بالإعلان عن مسؤوليته عن الهجوم، ولم يتفاخر به كالمعتاد، ما يؤشر إلى أن هذا الهجوم لم يأت بالنتائج المطلوبة، بل بالعكس أدى إلى تعاطف كبير مع رئيس الإقليم مسعود بارزاني، لاسيما وان حكومة اربيل تبدو اقرب إلى الميول الإسلامية المعتدلة.
الصراع السوري «يلسع» هدوء كردستان العراق
يرى مراقبون أن الهجوم الذي استهدف مديرية الأمن في اربيل، وهو الأول من نوعه وحجمه منذ العام 2007، قد يكون مرتبطا بشكل أساسي بالأحداث في سوريا، حيث يخوض الأكراد معارك مع مجموعات متشددة.. علماً أن رئيس الإقليم مسعود بارزاني هدد في وقت سابق بالتدخل للدفاع عن أكراد سوريا في حال ثبوت تعرضهم للقتل.
وتجنب رئيس حكومة إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني أمس في أول رد فعل من مسؤول كردي رفيع المستوى على الهجوم المباغت الذي لم تتبناه أية جهة حتى الآن، اتهام جهة معينة بالوقوف وراء الهجوم، حيث قال في كلمة ان «قوات الأمن الكردية تعمل للقضاء على قوى الظلام والإرهاب»، وأضاف أنّ «هدف الإرهابيين إصابة الحرية والتحرر في كردستان، وقوى الأسايش (الأمن) تعلم جيدا أن الإرهابيين ضد الحياة».
تداعيات أحداث سوريا
ولم تستبعد الحكومة العراقية في بغداد ان يكون الهجوم على ارتباط بما يحدث في سوريا المجاورة، حيث قال المستشار الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي علي الموسوي أول من أمس ان «سوريا أثرت فينا جميعا، وليس ببعيد ان يكون (الهجوم) إحدى شظايا الأزمة السورية، ونحن ندعو إلى حل سياسي بأقرب وقت ووقف تدفق الأسلحة التي بدأت تشكل خطرا على الدول المحيطة والمجاورة لسوريا».
في غضون ذلك، قال المحلل السياسي والناشط المدني في اربيل شوان صابران «العمليات الإرهابية... استهدفت مؤسسة معينة هي المؤسسة الأمنية، ولهذا لا نستطيع القول إنها عملية ارهابية بمفهومها السياسي»، وأضاف: «إنها عملية مدروسة، وجاءت من خلال فتح أبواب الإقليم على مصراعيها أمام النازحين السوريين... وأيضا التحاق العديد من شباب الإقليم بالحركات الأصولية والجهادية في سوريا».
من جهته، يرى المحلل الأمني العراقي علي الحيدري ان الهجوم «مرتبط بخلاف الأكراد مع جبهة النصرة في سوريا»، مشيرا إلى « معارك بين الأكراد وجبهة النصرة، والجبهة هجرت الأكراد من أراضيهم وهي تنتمي إلى تنظيم القاعدة، واليوم تنتقم من الأكراد داخل أراضيهم في إقليم كردستان».
اتهامات
وتناولت عدة تغريدات على موقع تويتر للتواصل الاجتماعي أمس مسؤولية تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، المنتمي إلى تنظيم القاعدة عن هجوم اربيل، من دون ان يصدر أي بيان رسمي عن التنظيم. كما تداولت وسائل إعلام كردية خبر تبني التنظيم الذي يشن هجمات يومية دامية في أنحاء متفرقة من العراق، للهجوم، من دون ان يتم التأكد من ذلك.
اعتقالات
شنت السلطات الأمنية في اربيل حملة اعتقالات مركزة بعد ساعات من التفجيرات التي وقعت ظهر أول أمس. وقالت مصادر أمنية كردية: إن التعرف على هوية الانتحاريين الذين قتلوا في العملية أتاح للسلطات تتبع عدد من الخيوط لأشخاص قد تكون لديهم صلات بالمنفذين والمخططين. وأشار إلى أن معلومات سريعة توفرت على الفور لدى السلطات المختصة.
وحسب المصادر ذاتها تم اعتقال ستة عراقيين غير أكراد، من المقيمين في اربيل، وخمسة لاجئين سوريين على الأقل، ومن بين المعتقلين امرأتان، ولا تزال الجهود منصبة لملاحقة آخرين يشتبه بهم.