لم تؤثر موجة النزوح العارمة والفقر المدقع وتدهور الوضع الأمني في المناطق المحررة من عزيمة الطلبة في ارتياد المقاعد الدراسية مع حلول العام الدراسي الجديد. فهذه الشريحة، وعلى الرغم من مواجهتها إشكاليات عدة، تسعى إلى شق طريقها صوب المدارس المتناثرة بين القرى والبلدات والأحياء المدمرة، وتحاول بعزم شديد لملمة جراحها.

فرياض، طالب في المرحلة الابتدائية، يعيش في إحدى القرى الريفية في شمال إدلب، وهو يعكس مدى تعطش الطلبة إلى العلم رغم ما حل بقريته من ويلات الحرب، قائلا: «كنا نقاطع العملية التعليمية في مستهل الثورة تنديداً بوحشية النظام ضد المتظاهرين، اليوم نبحث عن المدارس الفارغة من العائلات النازحة لعلنا نستطيع فيها تلقي واجباتنا الدراسية».

هذه العبارات المقتضبة، تكشف المعضلة الأولى التي تواجه غالبية المدارس في المناطق المحررة بسبب إيوائها العائلات النازحة من شتى المناطق التي تعرضت إلى القصف من قبل القوات النظامية، إذ تأوي المدارس في المناطق المحررة حوالي 90 في المئة من النازحين. وهنا تبرز الأولوية أمام المجالس المحلية والقوات المعارضة بين إفراغ المدارس من النازحين أو إبقاء تلك العائلات النازحة على حساب تعطيل الدراسة.

ولا مفر من الميل إلى الخيار الأخير، بحسب ما يقوله أبو عبدالله، وهو عضو المجلس المحلي في مدينة الباب بريف حلب: «نعلم أن مكوث النازحين في المدارس سيعطل من عجلة السلك التعليمي، لكن إيواء الطفل وعائلته يتقدم على مصيره التعليمي. فنحن عاجزون حتى الآن تأمين ملاذ آمن لتلك العائلات النازحة».

لكن ليس كل المدارس يشغلها النازحون، فثمة مدارس في ريف حلب فتحت أبوابها أمام الطلبة في مختلف الصفوف الدراسية، وقام المشرفون من الهيئات المدنية بتأمين الكادر الدراسي وتجهيز المعدات اللازمة، فضلاً عن إعداد منهاج يتناسب مع روح الثورة. لكن هل هذه الإجراءات كافية لتسير العملية بيسر؟.

لا يعتقد عبد اللطيف، الذي يعمل مرشداً اجتماعياً في إحدى المدارس في مدينة الباب، ذلك، لأن «الخوف والرعب جراء سلسلة قصف النظام قلّص من نسبة الإقبال على التعليم بدرجة كبيرة»، قائلاً إن «الخوف من قصف الطيران النظامي يسيطر على أحاديثهم اليومية. هم في القاعات الدراسية يتداولون المخاطر التي ستنجم عن أي ضربة محتملة، والتي قد تنسف المدرسة برمتها، وسط هذا المناخ المضطرب تبدو العملية التعليمية بمثابة مضيعة للوقت لا أكثر».