تبعث الدبلوماسية الأميركية برسائل مُتناقضة للشارع المصري، فرغم تصريحات السفيرة السابقة بالقاهرة آن باترسون، التي كانت تحمل نوعًا من المرونة فيما يتعلق بالمساعدات أو المعونات التي تقدمها واشنطن للقاهرة، إلا أن وزارة الخارجية الأميركية أصدرت رسالة أخرى عكس ما تقدمت به باترسون، إذ خاطبت الكونغرس من أجل تعليق نحو 500 مليون دولار من تلك المساعدات على خلفية الموقف الأميركي من التطورات التي تشهدها مصر.
ورغم الموقف المرن لباترسون إزاء المعونة، إلا أنها كانت انتقدت كذلك خريطة الطريق بمصر، ما يكشف بما لا يدع مجالًا للشك عن تخبطٍ أميركي موسع حيال الأوضاع في مصر، ناتج في الأساس، وفق ما يؤكده مراقبون، عن الصدمة التي تلقتها أميركا عقب ثورة 30 يونيو، وتمكن الإرادة الشعبية بدعم من القوات المسلحة في فرض كلمتها على المشهد والإطاحة بجماعة الإخوان من سدة الحكم، رغم كون الولايات المتحدة أنفقت المليارات دعما لتيار الإسلام-السياسي، كما دعمته وباركت وصوله للسلطة بعد ثورات الربيع العربي.
استنكار عام
واستنكرت القوى السياسية والثورية المصرية المؤيدة لخريطة الطريق الموقف الأميركي وتلويح واشنطن الدائم بقطع المساعدات الاقتصادية، مؤكدين على كون «الدعم العربي» يُعد فرس الرهان المناسب في هذه الحالة، وأن مصر بدعمٍ من جيرانها العرب تكون قادرة على مواجهة ما يُحاك ضدها من مؤامرات داعمة لتوجه الإخوان وفكرهم الذي يخدم واشنطن وحليفتها إسرائيل والقوى الاستعمارية في الشرق الأوسط.. مؤكدين على كون مصر قادرة على التخلي عن المعونة الأميركية؛ ليكون قرارها نابعا من سيادتها دون أدنى تدخل من أي دولة أجنبية، تنفيذًا لمطالب الثورة المصرية التي نادت بـ«التحرر الوطني من أية تبعية».
وبحسب مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير هاني خلاف، فإن المساعدات العربية هي «فرس الرهان» لمصر الآن، وخاصة أن العرب يعطون مصر من دون محاولة التدخل في شؤونها على عكس الدول الغربية، لافتًا في السياق ذاته إلى أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تمس المعونات العسكرية التي تقدمها للقاهرة؛ لأنها مبنية في الأساس بناءً على مصالح في المنطقة، موضحا كذلك أن قطع المعونات عن مصر معناه تهديد مباشر للمصالح الأميركية في مصر والمنطقة بوجه عام.
حملات مناهضة
وأسس المصريون جملة من الحملات الهادفة الداعية إلى التخلي عن المعونة الأميركية، أبرزها الحملة التي أسسها نشطاء من القوى الثورية ودعمتها حركة تمرد «امنع المعونة»، والتي نجحت مؤخرًا، بحسب الناطق الرسمي باسم الحملة في جمع أكثر من نصف مليون توقيع، من المواطنين؛ من أجل الضغط على الدولة لمنع المعونة.
وتتماشى تلك الفعاليات مع مساعٍ أخرى؛ من أجل إيجاد بدائل للمعونة، وأبرزها الدعم العربي، فضلًا عن تبني حلول غير عادية من قبل حكومة الدكتور حازم الببلاوي التي تضم العديد من الخبرات الاقتصادية.
ووفق سفير مصر الأسبق بواشنطن السفير عبدالرؤوف الريدي، فإن مصر لن تتأثر بمسألة قطع المعونات حال إقدام الكونغرس على اتخاذ قرار خاص في ذلك الصدد، موضحًا أن هناك العديد من النتائج التي تترتب مباشرة على فكرة قطع المعونة، في مقدمتها تغير الخريطة السياسية بالشرق الأوسط، وأن تكون مصر مستقلة تمامًا في قرارها عن الولايات المتحدة.
مليارا دولار
تحصل مصر منذ العام 1979 على معونة سنوية من واشنطن مقدارها ملياري دولار، منها 1.3 مليار للمعونة العسكرية، وكان تم تقليل حجم المعونة غير العسكرية منذ 10 سنوات تدريجياً لتصل إلى 255 مليون دولار.