سجّل المؤتمر الصحافي الذي عقدته حركة النهضة أول من أمس غياب رئيسها راشد الغنوشي، ما طرح أكثر من تساؤل حول جدية التسريبات التي تتحدث عن خلافات جوهرية بين أجنحة القيادة في الحركة التي تقود الائتلاف الحاكم في البلاد. ويتزامن هذا الموقف مع تصريحات لنائب رئيس حركة النهضة عبد الفتاح مورو قال فيها إن نهاية راشد الغنوشي كرئيس للحركة «ستكون قريبة».

وأكد مورو أن «الحركة أصبحت رهينة شباب متطرف لا يُساعدهم فكر الغنوشي الآن». وأضاف إن الغنوشي تمت محاصرته في إطار مجلس الشورى والمكتب السياسي.

وقال مورو، المعروف بمواقفه المعتدلة، إن المتشددين من داخل الحركة «سيُضحّون بالغنوشي ويقمعونه مثلما قمعوني أنا من قبله في حال اتخاذ أي خطوة سياسية باتجاه الانفتاح على العلمانيين»، مضيفا إنه سيتم الاستغناء عنه خلال المرحلة المقبلة.

صراعات محتدمة

ويرى جلّ المراقبين أن صراعات محتدمة تدور رحاها داخل حركة النهضة بين تيارين. أحدهما لا يرى مانعا من التنازل لتجاوز الأزمة السياسية، والثاني يرفض ذلك بشدة، ويرى في التنازل تخلّيا عن الحكم ودعما للمعارضة وتقوية لشوكتها.

وقد زادت حدة الخلافات بعد مبادرة الغنوشي منتصف أغسطس الماضي بالسفر الى باريس للاجتماع بزعيم حركة نداء تونس الباجي قائد السبسي، الذي ينظر إليه جناح الصقور داخل النهضة على أنه عدو حقيقي ويمثّل امتدادا للدولة التونسية الحديثة التي تتناقض مع الدولة التي يطمحون إلى تكريسها .

كما يبدو السكرتير العام لحركة النهضة حمادي الجبالي بعيدا عن كل ما يدور حاليا في الساحة السياسية في تونس، وهو الذي قدّم استقالته من رئاسة الحكومة في فبراير الماضي بعد اغتيال القيادي اليساري المعارض شكري بلعيد، حيث رأى في ذلك «فشلا للجميع»، ودعا الى تشكيل حكومة كفاءات تم رفضها من صلب الحركة التي ينتمي إليها .

حزب جديد

ولا يستبعد المراقبون أن يتجه الجبالي الى تشكيل حزب جديد مع عدد من القيادات المعتدلة داخل الحركة ومع قيادات سياسية أخرى، تؤمن بمفهوم الدولة، وتقطع نهائيا مع فكر التنظيم العالمي للإخوان المسلمين الذي يتبناه صقور الحركة.

وخلال المؤتمر الصحافي ليوم الاثنين برزت قوة المكتب السياسي ومجلس شورى حركة النهضة من خلال عدد من القيادات من بينها العجمي الوريمي وعبد الحميد الجلاصي وفتحي العيادي ورفيق عبد السلام وعامر العريض ممن يمثّلون تيّارا متصلّبا داخل الحركة، رغم ما يبدونه من اعتدال في المواقف المعلنة.

كما أنهم يشرفون مباشرة على تأطير القواعد وتحركات الأنصار في الشارع، و«يضعون أياديهم على التنظيم الداخلي». وحتى إن أحدهم، وهو العجمي الوريمي المكلف بالإعلام والثقافة داخل الحركة، أكد في تصريحات صحافية أن الحكومة ليست ضعيفة ولا عاجزة، و«أن أي حراك شعبي سيجد حراكا مقابلا له».

مرحلة جديدة

بحسب المراقبين، يبدو واضحا أن حركة النهضة الحاكمة في تونس تتجه نحو مرحلة جديدة، تتجاوز فيها قياداتها السابقة وآباءها المؤسسيين، وفي مقدمتهم راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو وحمادي الجبالي، و«ستكون تطورات الأيام القادمة محكا حقيقيا للحركة التي كانت تفخر دائما بأنها ديمقراطية في داخلها لا تخضع لمنطق الانشقاقات ولا تخاف من الانقسام والتجزئة والتشتت».