تتجه الازمة في تونس الى مزيد من التفاقم والحدّة بعد الكشف عن حجم التباينات في وجهات النظر بين الترويكا الحاكمة والمنظمات الراعية للحوار، ودعا الرئيس التونسي المنصف المرزوقي الى اعتماد خارطة طريق مدتها ستة أسابيع للخروج مما وصفه بـ «الضبابية السياسية» في البلاد.

في حين أعد الإتحاد العام التونسي للشغل خطّة للتحرّك ضد الحكومة، ورفضت حركة النهضة، تحميلها مسؤولية فشل الحوار الوطني، ودعت إلى هدنة سياسية وإجتماعية وإعلامية للتصدي للتحديات الإقتصادية.

وقال المرزوقي في حوار بثته القنوات الإذاعية والتليفزيونية مساء أول من أمس أنه «يمكن الخروج من الأزمة السياسية وفق خارطة طريق ترتكز على وضع دستور خلال ستة أسابيع مع تشكيل الهيئة المستقلة للانتخابات وتقر بمقتضى قانون تاريخي محدد لإجراء الانتخابات المقبلة» الرئاسية والتشريعية.

مضيفا أنه يعمل على الوصول إلى اتفاق الطبقة السياسية على هذه الخارطة لحل ما وصفه بـ«الضبابية السياسية»، حسب تصريحه. محذراً من أن العام 2014 سيكون من أصعب الأعوام بالنسبة لبلاده التي تُعاني من أزمة سياسية وإقتصادية وأمنية خانقة.

واعتبر المرزوقي أن حكومة علي العريض لم تفشل خلافا لما يقال، لأنه «لا وجود لحكومة تفشل خلال اربعة شهور منذ توليها العمل». كما أثنى على أدائها في المجال الأمني، وقال إنها «حققت نجاحات في الملف الأمني ومقاومة الإرهاب تشكر عليه».

حراك شعبي

في الاثناء عقدت الهيئة الإدارية للاتحاد العام التونسي للشغل إجتماعا طارئا للبحث في خطة للحراك الشعبي بهدف الضغط على الترويكا الحاكمة للقبول بمبادرة الإنقاذ، وقال الناطق باسم الاتحاد سامي الطاهر لـ«البيان»، إن الإجتماع أقرّ جملة من القرارات ابرزها عقد اجتماعات عامة ومسيرات في كل الجهات بالتنسيق مع الرباعي الراعي للحوار تتوّج بمسيرة وطنية كبرى في العاصمة لم يحدد تاريخها بعد على ان تكون كل الأشكال النضالية متاحة لمزيد الضغط على الاطراف الحاكمة بهدف التنازل لفائدة المصلحة الوطنية.

وأضاف ان «كل أشكال الاحتجاج سيتم تنفيذها في الجهات وعبر القطاعات ولم يستبعد الإضرابات القطاعية والإضراب العام لكنه أوضح ان هذا الشكل التصعيدي سيتم اللجوء اليه في حال تواصل الأزمة وليس خيارا فوريا للهيئة الإدارية»، مشيرا الى إن «لاتحاد الشغل وسائل ضغط متعددة ستتخذها الهيئة الإدارية، بالإضافة إلى تقييم المشاورات والنقاشات وسنتخذ القرار المناسب على ضوء ما سنتفق عليه في اجتماع الهيئة».

موقف النهضة

وبالمقابل تعقد حركة النهضة مؤتمرا صحفيا اليوم الاثنين للرد على ما ورد على ألسنة قادة المنظمات الراعية للحوار أول من أمس، ولتبيين موقفها من مستجدات الوضع السياسي في البلاد.

وقالت حركة النهضة في بيان لها إنّها فوجئت بما اعتبرتها التصريحات النارية لعدد من المسؤولين السياسيين واكدت انها قبلت المبادرة والدعوة إلى الانطلاق الفوري في الحوار للاتفاق على تفاصيلها في مختلف أبعادها من صياغة الدستور، وتحديد موعد الانتخابات وتشكيل الحكومة حسب نصّ البيان.

ودعا البيان إلى هدنة سياسية وإجتماعية وإعلامية «بما يساعد على الإستقرار ومواجهة المخاطر والتصدي للصعوبات الإقتصادية ودعم التنمية والتشغيل».

تهديدات

 

قال حمة الهمامي الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية وزعيم حزب العمال إن السلطات الأمنية دعته الى التزام الحيطة و الحذر في جميع تحركاته خاصة اثناء حضوره في مقر الجبهة بسبب وجود تهديد حقيقي لحياته. وأضاف الهمامي ان الإشعار بوجود مخطط لاستهدافه شمل ايضا زوجته راضية النصراوي المحامية ورئيسة المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب.

الأزمة تعود إلى المربّع الأول

عادت الأزمة السياسية في تونس الى المربّع الأول، واتسعت دائرة تشنج الخطاب بين الترويكا والمعارضة مع ظهور عنوان جديد بارز هو دخول المنظمات الأربع الراعية للحوار الوطني وفي مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل على خط قوى الإنقاذ الوطني في مواجهة ما اعتبرته تعنتاً ومراوغة لكسب الوقت من قبل حركة النهضة، وارتفعت أصوات أنصار الحكومة على مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام تتهم رعاة الحوار الوطني بالانحياز لجبهة الإنقاذ.

وقال القيادي النقابي قاسم عفيّة إن بعض النداءات ارتفعت منادية بقتل حسين العباسي الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل وسحله في الشوارع، في حين ارتفعت أصوات من يتهمون العباسي بأنه «عبد الفتاح السيسي النقابي وليس العسكري وأنه يعمل على الانقلاب على الشرعية».

تجييش الشارع

ومن المنتظر أن تشهد الساحة التونسية خلال الأيام المقبلة تجييشا للشارع وعودة الى المسيرات والمظاهرات والاحتجاجات الشعبية التي ستتخذ زخما جديدا، بعد انضمام النقابات الى مطالب المعارضة، وانسداد أبواب الحوار في ظل واقع اقتصادي واجتماعي متدهور.

فشل تام

وقال الخبير الدستوري والناشط السياسي والحقوقي قيس سعيد أن «تونس اليوم في وضع فشل تام وكامل ومفتوحة على جميع السيناريوهات الايجابية منها والسلبية حيث إن المشاورات والنقاشات التي دامت لأسابيع عديدة وصيغت فيها مقترحات من هنا وهناك باءت بالفشل وعادت بنا إلى نقطة الصفر».

مضيفا أن «القضية ليست قضية خارطة طريق بل هي قضية سلطة وأكثر من ذلك قضية وجود ويكفي الاستماع الى الشعارات واللافتات التي ترفع من هنا وهناك لتبين أن المسألة لا تتعلق لا بخارطة ولا بطريق».

المربع الأول

يبدو الوضع التونسي اليوم في المرحلة الأصعب التي يمر بها منذ أكثر من عامين، حيث ولأول مرة تجد حركة النهضة نفسها في مواجهة العمّال ورجال الأعمال ومنظمات المجتمع المدني والمعارضة معا.

في حين أن أمام شريكيها في الحكم وهما حزب المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي للعمل والحريات فرصة أكبر للتحرك والمناورة والتخلي عن الائتلاف الحاكم إذا لزم الأمر والانضمام الى قوى المعارضة أو الوقوف في منتصف الطريق وتحاشي أي تصعيد يضعهما في موقف التورّط النهائي