يرمق ضابط المارة بنظراتٍ حادة ويتلصص خِلسة على المنطقة المُحيطة به والتي تزداد هدوءاً كلما هدأت الأوضاع في مصر. هناك في إحدى البقاع الهادئة في حي المعادي الراقي على كورنيش النيل يقف الضابط في منطقة تحولت إلى ما يُشبه «الثكنة العسكرية» وكان هو واحد من أفرادها المؤتمنين على حماية أمن وسلامة ذلك المبنى العتيق، الذي شهد الفصول الأخيرة من حياة بعض الزعماء، كما وطأته أقدام جملة من المشاهير والمرموقين.

هو لا يعلم إلى متى سيقف هكذا، سواء فوق الدبابات أو المدرعات العسكرية المُحيطة بذلك المكان العتيق. كل ما يعرفه أنه يلبي النداء الوطني، مستجيبا لدوره في حماية أمن واستقرار مصر من أية أخطارٍ تواجهها. يشرد قليلًا في الكلمات المكتوبة في واجهة المبنى «المجمع الطبي للقوات المسلحة بالمعادي»، وهو المبنى الشهير بين العامة بـ«مستشفى المعادي العسكري»، يتيقن أنه يقف؛ ليحرس حسني مبارك الذي أتى إلى المستشفى بعد أعوام طويلة قضاها في المؤسسة العسكرية المصرية، ثم رئيسا لأكبر دولة عربية.

هدوء وصخب

يُطيل ذلك الضابط المُكلف بحراسة مقر المستشفى ضمن مجموعة كبيرة من نظرائه، النظر في المشهد من حوله.. سيارات إسعاف ومدرعات ودبابات عسكرية، فضلًا عن التواجد الأمني كذلك من قوات وزارة الداخلية، في تأمين مشترك بين الطرفين للرئيس السابق. يُحدث نفسه ما إذا كان قائده السابق القابع في مقر إقامته الجبرية الذي اختاره بنفسه بريئاً أم مُداناً؟

يتحول الهدوء الحذر المفروض على المنطقة، إلى صخب وضوضاء وأصوات متباينة، وهتافات متداخلة، قبيل خروج أو دخول مبارك إلى المستشفى عبر مروحية عسكرية خاصة له أثناء ذهابه من وإلى مقر المحكمة؛ لحضور جلسات إعادة مُحاكمته في قضية قتل المتظاهرين، المتهم فيها معه وزير داخليته اللواء حبيب العادلي، وستة من كبار مساعديه.

تاريخ المشاهير

وفي تلك الضاحيةالتي تشهد هدوءا حذرا ثم صخبا وضجيجا وقت التظاهرات، كانت يقبع شخصيات عديدة مرموقة. فإلى هُنا نُقل الرئيس الراحل أنور السادات فور تعرضه لحادث الاغتيال الشهير «حادث المنصة»، وهنا احتجز شاه إيران محمد رضا بهلوي العام 1979، والرئيس المصري الأول اللواء محمد نجيب كذلك، وتوفيت فيه سيدة الغناء العربي أم كلثوم التي رحلت، إلا أن صوتها مازال يتردد ليلا، نابعا من مذياع صغير يتجمع حوله عدد من العساكر والضباط ليلًا، في محاولةٍ من جانبهم لكسر الهدوء المحيط بالمكان، يتلذذون بكوكب الشرق وهي تشدو: «قول للزمان ارجع يا زمان».