دان الائتلاف الوطني السوري عدوان تنظيم «الدولة الاسلامية في العراق والشام» وممارساته القمعية، معتبرا انها تتناقض مع مبادئ الثورة، وذلك بعد يومين من سيطرة جهاديين على مدينة اعزاز. وفيما تعتبر الادانة ضربة لأحد جناحيْ تنظيم «القاعدة» سياسياً، رغم توقيعها على هدنة هشّة أمس، حقق الجناح الثاني لـ«القاعدة» الذي تمثله جبهة النصرة مكاسب كبيرة بانضمام ثلاثة ألوية مقاتلة لها من الجيش الحر بشكل جماعي.
وقال الائتلاف الوطني في بيان إنه يندد بـ«عدوان داعش (دولة الإسلام في العراق والشام ) على قوى الثورة السورية والاستهتار المتكرر بأرواح السوريين» ويعتبر ان ممارساتها «خروج عن إطار الثورة السورية يضعها في تناقض مباشر مع المبادئ التي تسعى الثورة المجيدة إلى تحقيقها».
وهي المرة الاولى التي ينتقد فيها الائتلاف بهذا الوضوح تنظيما جهاديا، بعد ان اكتفى في مراحل سابقة بالتمايز عن المجموعات الاسلامية المتطرفة التي تقاتل النظام، من دون رفضها.
أجندات خارجية
وندد الائتلاف بـ«ارتباط التنظيم بأجندات خارجية، ودعوته لقيام دولة جديدة ضمن كيان الدولة السورية، متعدياً بذلك على السيادة الوطنية»، و«تكرار ممارساته القمعية واعتداءاته على حريات المواطنين والأطباء والصحافيين والناشطين السياسيين خلال الشهور الماضية». كما انتقد احتكام «داعش» الى «القوة في التعامل مع المدنيين، وشروعها بمحاربة كتائب الجيش الحر كما حدث مؤخرا في 18 أغسطس بمدينة اعزاز بريف حلب».
كما اشار الى ان مقاتلي الدولة توقفوا «عن محاربة النظام في عدة جبهات»، وانتقلوا الى «تعزيز مواقعهم في مناطق محررة، بحيث يشكل وجودهم فيها خطرا على المدنيين واستعادة لتاريخ قمع حزب البعث وجيش نظام الأسد وشبيحته».
واكد الائتلاف ان «الشعب السوري الحر يميل الى التوازن والاعتدال واحترام التعدد الديني والسياسي ويرفض التكفير الأعمى والفكر الإقصائي وما يبنى عليه من سلوكيات إجرامية بحق المواطنين من مسلمين وغير مسلمين»، مشيرا الى «أن أخلاق الثورة وقيمها تعكس أخلاق الإسلام وقيمه الإنسانية السامية».
هدنة اعزاز
في السياق، تم التوصل الى اتفاق على وقف اطلاق النار في مدينة اعزاز القريبة من الحدود التركية بين «الدولة الاسلامية» و«لواء عاصفة الشمال» المنضوي ضمن الجيش الحر. وتم الاتفاق برعاية «لواء التوحيد»، التابع للجيش الحر، بحسب ما ابرزت نسخة عن الاتفاق حصل عليها المرصد السوري لحقوق الانسان.
وجاء في نص الاتفاق ان الطرفين «الاول دولة الاسلام في العراق والشام، والثاني لواء عاصفة الشمال» اتفقا على «وقف إطلاق النار فوراً، وخروج جميع المحتجزين بسبب المشكلة خلال 24 ساعة من تاريخ توقيع الاتفاق، ورد جميع الممتلكات المحتجزة لدى الطرفين».
كما اتفق الجانبان على «ان يضع لواء التوحيد حاجزا بين الطرفين لحين انتهاء المشكلة في اعزاز»، وان «يكون المرجع في أي خلاف هيئة شرعية معتبرة من الطرفين».
وظهر على النسخة توقيع أبو عبد الرحمن الكويتي عن «داعش»، وتوقيع النقيب المنشق احمد غزالة ابو راشد عن طرف عاصفة الشمال. كما وقع شخصان آخران بصفة شاهدين هما أبو توفيق عن لواء التوحيد وابراهيم الشيشاني الذي يعتقد انه يقود مجموعة يطلق عليها اسم «المهاجرين والانصار».
توسع «النصرة»
من جهة اخرى، قال نشطاء واسلاميون إن مئات من المقاتلين السوريين تعهدوا بالولاء لقوات موالية لتنظيم «جبهة النصرة» في شرق سوريا وشمالها. وذكرت المصادر الموجودة في سوريا أن الأمر لا يقتصر على مقاتلين أفراد بل وحدات بأكملها انضمت في الأيام القليلة الماضية إلى «جبهة النصرة».
وذكر ناشط في بلدة الرقة بشرق سوريا طلب عدم نشر اسمه: «هذا مؤشر على أن نفوذ الجماعات المتشددة لا يزال ينمو. قد تسقط المنطقة في ايدي الجهاديين... قد يتحول هذا الى اتجاه». ويتردد أن لواءين كاملين على الأقل انضموا لجبهة النصرة في محافظة الرقة الخاضعة لسيطرة المعارضة .
والتي تقع على الحدود مع تركيا. وقال مصدر قريب من القوات الاسلامية اشترط عدم ذكر اسمه إن أحد اللواءين هو لواء ثوار الرقة ويضم 750 مقاتلا على الأقل. أما اللواء الثاني فهو لواء المنتصر بالله، أعلن في بيان على موقع «فيسبوك» أن كافة قادته ومقاتليه تعهدوا بالولاء لجبهة النصرة. ويتألف لواء المنتصر بالله من 15 كتيبة.
وأظهر شريط فيديو قام نشطاء من الرقة بتحميله قافلة ضخمة من مقاتلين يستقلون السيارات والشاحنات التي تعلوها المدفعية والبنادق الآلية وهم يلوحون بالاعلام السوداء. وذكر عنوان الفيديو أنه يظهر قوة موحدة جديدة هي «الفرقة 11» التابعة للجيش الحر سابقاً أعلنوا ولاءهم للنصرة.
الثورة بين فكي النظام و«داعش»
مرة أخرى، تشن الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام، ذراع «القاعدة» في سوريا، هجوماً عنيفاً على فصائل الجيش الحر.
وهذه المرة، كانت مدينة إعزاز في ريف حلب الشمالي مسرحاً للعمليات الشرسة بين لواء عاصفة الشمال التابع للجيش الحر وعناصر الدولة، التي تختزل بـ«داعش»، بسبب تذرع الأخير بوجود طبيب ألماني يعمل مع منظمة أطباء بلا حدود في مستشفى إعزاز الوطني، لتصل حدة المواجهات بينهما إلى معبر باب السلامة قبل أن يتدخل لواء التوحيد في فض النزاع بين الطرفين. فخرجت المحصلة بسيطرة داعش على كامل المدينة بعد سقوط ستة قتلى وعشرات الجرحى واعتقال المئات خلال الاشتباكات.
وإن كانت شرارة الاشتباكات الضارية اقترنت بوجود الطبيب الألماني داخل مستشفى إعزاز، إلا أن امتداد المعارك على مشارف معبر باب السلامة مع التركية كشفت أطماع «داعش» المتمثلة في بسط نفوذه على المدينة ومعبرها الحدودي الذي يديره فصائل الجيش الحر.
هذه السلوكيات المنافية للثورة امتزجت بدماء الناشط الإعلامي حازم العزيزي الذي لقي حتفه على يد قناصة «داعش»، ما زاد من حدة الاحتقان بين الأهالي والنشطاء والثوار، لتغدو مشاعر السخط والغضب صفة جامعة بين السوريين.
تراكمات ورمزية
وتدخل سيطرة «داعش» على إعزاز، وفتح جبهة القتال ضد فصائل الجيش الحر ضمن سلسلة مواجهات متراكمة، حيث سبق أن شن التنظيم حرباً مفتوحة ضد الجيش الحر في كل من دير الزور والرقة وتل أبيض ومنبج والباب وجرابلس، حيث خرج في غالبية تلك المواجهات بنتائج سمح له في بسط نفوذه على تلك المناطق، في حين جنح إلى عقد الهدنة المؤقتة في بعض المناطق حين شعر أن المعطيات القتالية لا تتقاطع مع حساباته.
ويبدو أن سيطرة داعش على إعزاز لن تمر بهدوء. فرمزية إعزاز من ناحية كونها أولى البلدات التي تتحرر من قبضة النظام على يد العناصر الثورية، فضلاً عن ميزة موقعها الاستراتيجي الواصل بين حلب والحدود التركية على اعتبارها تشكل الرئة الرئيسية للجيش الحر والحاضنة الاجتماعية في حلب وريفها.
