تشهد الساحة السياسية الجزائرية حراكاً سياسياً نشطا عقب التعديل الحكومي العميق الذي أقره الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، بعد فترة ركود أصابت مختلف الهيئات صاحبت مرض بوتفليقة ودخوله في فترة نقاهة، هذه الوعكة الصحية كانت بدورها مصدرا للإشاعات والأقاويل التي تنبأت بزلزال اجتماعي، خصوصا أن الجزائر على أبواب الاستحقاقات الرئاسية في 2014.

لكن القرارات على مستوى الجهاز التنفيذي والمؤسسة العسكرية، وإن هدّأت المخاوف، فتحت الباب مشرعا حول هوية التعديل الدستوري الذي ينتظر أن يرى النور في الأسابيع القليلة المقبلة والذي سيضمن بالضرورة استمرارية في طبيعة النظام السياسي القائم.

وأكد محللون ومتابعون للشأن السياسي أن معرفة التعديلات التي يمكن أن تدخل على الدستور، ستضع الكثير من الحروف على نقاط المرحلة المقبلة، وما إذا كان الرئيس بوتفليقة، سيقرر خوض الاستحقاق الرئاسي لعهدة رابعة، أو سيكتفي بخيار تمديد العهدة الحالية بسنتين اثنتين.

جلسة مجلس الوزراء

ووفقا لترتيبات المقربين من بوتفليقة، يتوقع أن تعرض مسوّدة التعديل الدستوري في الجلسة المقبلة لمجلس الوزراء، وتتضمن تعديلاً في مادة الولايات الرئاسية بتقييدها في ولاية قابلة للتجديد مرة واحدة، لكن فترة كل منهما هي سبع سنوات. ما يسمح للرئيس بتمديد فترة الرئاسة بوتفليقة بسنتين.

ولضمان التأييد الجماهيري اللازم لعرض مشروع التعديل الدستوري، التقت قيادتا جبهة التحرير الوطني وتجمع أمل الجزائر الثلاثاء الماضي، ليشكل اللقاء النواة الأولى لتحالف رئاسي جديد يدعم ترشح بوتفليقة، بعد انفراط عقد التحالف الرئاسي السابق الذي كان يتشكل من جبهة التحرير والتجمع الوطني الديموقراطي وحركة مجتمع السلم.

ظهير سياسي

ويأمل التحالف الرئاسي قيد التشكل خلق ظهير سياسي لدعم أي خيارات يقررها الرئيس الجزائري في هذه المرحلة، التي تتقدم فيها أولوية توفير ظروف انطلاقة مثالية لعمل الحكومة الجديدة التي عينها الرئيس بوتفليقة قبل أسبوع، والتي تبدأ عملها في وضع مثير ومتخم بالتساؤلات السياسية.

وفي وضع اجتماعي متوتر نتيجة ملابسات الإضرابات والاحتجاجات القطاعية والفئوية، أو خلال المرحلة التي تليها وتمتد حتى نهاية السنة، ويأتي في أولوياتها تعديل الدستور، الذي التزم الرئيس بوتفليقة بالكشف عن مضمونه قبل نهاية السنة الجارية، وتشكيل كتلة متوافقة في البرلمان على تزكية مقترح تعديل الدستور المرجح أن يعرض على البرلمان.

وعمل الرئيس بوتفليقة قبل تنفيذ القرارات المرتقبة بالتمديد أو الترشح لعهدة رابعة غلى إقفال على خصومه في قفص، بالكاد يتنفسون، بفرض سيطرة محكمة على مفاصل الدولة، كما لو أنه استشعر وهو مريض، أن «مؤامرة ما» تحاك ضده من خلال رفع المعارضة شماعة المادة 88 من الدستور، من أجل إضعاف جناح الرئيس، العائد بقوة.

«ماكينة» دعائية

التعديل الوزاري الذي أطاح بوزراء حزب الأغلبية وأتى بأحد عشر وزيرا جديدا، ومكّن تغيير رؤوس وزارات السيادة بوزراء مقربين من الرئيس من المسك بها، ما يعد أقرب إلى «ماكينة» دعائية لبداية الخوض في العهدة الرابعة، بعد أن أزيحت من أذهان محيط الرئيس بدعوى المرض، إذ فضّل بوتفليقة الإبقاء على وزير مسك بجوق «الرابعة» .

وهو عمر غول الأمين العام لـ«تجمع أمل الجزائر» الذي بدأ بالتحضير لتنسيقية دعم الرئيس بوتفليقة في الانتخابات المقبلة، بينما ، بينما أبعد وزراء حزب الأغلبية وهم: عمار تو ورشيد حراوبية وعبدالعزيز زياري، بعد أن تناهى إلى أسماعه أن الثلاثي عارض تولي عمار سعداني، مرشح الرئيس الأمانة العامة لحزب جبهة التحرير الوطني الذي أعلن بدوره أن الحزب سيرشح الرئيس إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة.

كما خاض بوتفليقة في تغييرات غير مسبوقة على مستوى أجهزة الأمن، لم يطلها تفكيره حتى في عز بسطته على الحكم بموجب نجاحه في ثلاثة انتخابات رئاسية، وفرشت بساط التربيع أو التمديد على أرضية مستوية لا تشوبها «ممهلات»، بينما مسارها متجه إلى تعديل دستوري، يتوقع أن تتم فيه هندسة ملامح فترة الحكم المقبلـة علـى قالـب «استمراريـة» مفصلة على استحداث منصب نائب الرئيس يختاره بوتفليقة نفسـه، وباقـي الخيـارات تأتـي تلقائيـا.

إعادة ترتيب الأوراق

 يؤكد محللون أن التعديل الحكومي الأخير وإن كان حمل العديد من المفاجآت إلا أنه يراد منه خلالها إعادة ترتيب بعض الأوراق بخصوص الخارطة الحزبية والسياسية، تمهيدا لعبور آمن يضمن استمرار عمل النظام السياسي بشكل يحدد الخارطة السياسية المستقبلية، ويضع ملامح للنظام السياسي المقبل بعد الانتخابات الرئاسية.

والذي سيستمد كثيرا سماته من النظام الرئاسي وشبه الرئاسي وسيمس التعديل الدستوري المقبل الذي انتهت اللجنة من إعداده ،منظومة الوظيفة العامة، وما يصاحبها من مجالات حساسة كالعدل والأمن والقطاعات ذات الصلة الوثيقة بحياة المواطن.