اتخذت قرار مغادرة سوريا على عجل، دفعني إلى ذلك رؤية ما آل إليه حال والدتي بعدما أُطلق سراحي من اعتقال استمر لمدة اسبوعين. كنت ناشطاً سياسياً لبعض الوقت، لكن نظراً لانتمائي إلى إحدى الأقليات الدينية السورية، فقد تُركت لحالي، باستثناء استفسارات قليلة من قبل السلطات. فقد اتصلوا بجدي، وهو عضو رفيع المستوى في الحزب الحاكم، وطلبوا منه أن «يثنيني عما أقوم به».
كان هذا أقصى ما في الموضوع، حتى جاء يوم في يوليو 2012. أُلقيّ القبض عليّ في تظاهرة في حي ركن الدين بالعاصمة. تم تفريق المحتجين الذين كانوا يغنون ويرددون الشعارات بالذخيرة الحيّة. مكثت لمدة اسبوعين في حبس انفرادي في زنزانة بالطابق السفلي، ولكنني لم أتعرض خلال تلك المدة لسوء المعاملة التي كان يعاني منها الآخرون، بفضل مكانة الأقلية التي أنتمي إليها. مع ذلك، انتهت الفترة التي قضيتها في فرع إدارة أمن الدولة في كفر سوسة بتحذير واضح، حيث قال لي أحد الضباط: «أعلم أنك ترغب في الذهاب إلى إسبانيا للدراسة. اقترح عليك أن تذهب الآن».
قرار الرحيل
لم أكترث كثيراً بما قاله لي إلى أن عدت إلى المنزل ورأيت أمي. لم تعد كما هي، السيدة الأنيقة في منتصف الأربعينيات التي أعرفها. كانت على وشك الموت بعد أن ظلت أسبوعين وهي لا تعرف مكان احتجازي أو كم من الوقت سوف أقبع في السجن. تشققت شفتاها وتورمت عيناها من كثرة البكاء، وفقد جسدها النحيل 15 كيلوغراماً.
الساعات الأخيرة
حاولت أمي أن تظل رابطة الجأش، لكن نظراً لأن علاقتي بها لم تكن مجرد علاقة أم بابنها، بل علاقة صداقة قوية، فقد أحسست بمشاعر الظلم التي تتملكها.
أدهشتني قدرة سائقي التاكسي على الثرثرة. شعرت بالإزعاج في البداية لأنني كنت بحاجة إلى السكينة والتأمل وأنا ألقي النظرة الأخيرة على دمشق. استغرق عبور الحدود وقتاً طويلاً لأنها كانت تعج بالناس، أسر بأكملها حزمت كل ما استطاعت أن تحمله من أغراض وهرولت إلى المجهول، ولم تكن مهيأة لذلك تماماً. شاهدت امرأة ترتدي زوج حذاء غير متطابق. لا بد أنها غادرت على عجل أشدّ من حالتي. وهأنذا أوشك على الانضمام إلى حياة اللاجئين. سيرة
تخرج كاتب هذه السطور حديثاً من جامعة دمشق، وهو ابن لأسرة ميسورة الحال تنتمي إلى أقلية سورية. فضّل الكاتب لدواع أمنية عدم الكشف عن اسمه في هذه اليوميات التي يصف فيها القبض عليه ومغادرته لسوريا لاحقاً.
وسوف يواصل الكاتب مشاركة أفكاره بشكل دوري وفق تطور الوضع في سوريا.