عثرت حملة «القلب الكبير» للأطفال اللاجئين السوريين التي أُطلقت بتوجيهات من قرينة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، على الطفل السوري اللاجىء رقم مليون في وضعية إنسانية مزرية تدمي القلوب وتدمع لها الأعين.
حيث يعجز عن العد إلى الرقم خمسة لأنه فقد اصبعين من أصابع يده الصغيرة البريئة بعد انتشاله من تحت ركام منزله. كما أنه يعجز عن العد إلى الرقم ثلاثة لأنه يذكره بعدد إخوته الذين فقدهم تحت أنقاض منزله.
ويروي فريق حملة «القلب الكبير» تفاصيل مهمة البحث عن الطفل الذي رفع رسمياً أعداد الأطفال السوريين اللاجئين إلى رقم مكون من ست خانات وهو المليون، قائلا: «كنا سنغض الطرف عن هذه المهمة الصعبة لهول ما رأيناه وبشاعة ما رصدناه.
إلا أن شيئاً في نفوسنا ألح علينا مواصلة بث مشاهد فصول هذه المسرحية المأساوية للعالم أجمع، والتي لعبت دور البطولة فيها أسر سورية تبحث لها في ضيق المخيمات عن فسحة أمل. رأينا خيم اللاجئين التي لم يفصل بينها سوى ستائر قماشية في محاولة من تلك الأسر لخلق وهمٍ مزعوم عنوانه الخصوصية».
مستقبل غامض
ويضيف الفريق: «في محطتنا التالية، وقعت أعيننا على صفوف من النساء، بعضهن حوامل في أشهرهن الأخيرة، ينتظرن دورهن تحت حرارة الشمس الحارقة للدخول إلى عيادات ميدانية متواضعة لا تسد الرمق في حالات السلم فكيف بها في أوقات الحرب؟!.
ينتظرن وقد ضاعت قدرتهن على وصف الداء وأسبابه، فاختلط عليهن المرض وأشكل، فهل هو بسبب الوقوف الطويل تحت أشعة الشمس أم بسبب قذائف الحرب وشظاياها المتجذرة في الجسد والنفس؟!».
وتابع: «في محطة أخرى من تجوالنا، استوقفتنا صورة لا يمكن لإنسان القرن الحادي والعشرين أن يراها إلا في المسلسلات والأفلام التاريخية.. صورةٌ لمجموعةٍ من الأطفال الذين تحلقوا حول معلمٍ كان يلقنهم أساسيات العلم في محاولة يائسة لنفض غبار الجهل عن عقولهم، وانتشال مستقبلٍ غامض من تحت أنقاض مدارسهم التي دمرتها الحرب».
بتر اصبعين
وأوضحت الحملة: «بعد رحلتنا الطويلة والمرهقة نفسياً وجسدياً، عثرنا على الطفل رقم مليون على قوائم اللاجئين السوريين، و ليتنا لم نفعل. فالحالة الإنسانية المزرية لهذا الطفل تدمي القلوب وتدمع لها الأعين».
وأضافت انه «على الرغم من الرقم المهول الذي حققه هذا الطفل اللاجئ رقم مليون، إلا أنه يعجز عن العد إلى الرقم خمسة لأنه فقد اصبعين من أصابع يده الصغيرة البريئة بعد انتشاله من تحت ركام منزله. بل ويعجز عن العد إلى الرقم ثلاثة لأنه يذكره بعدد إخوته الذين فقدهم تحت أنقاض منزله».
وتساءلت: «ترى مـا مشكلة هذا الطفل مع الأرقام الصغيرة؟!، والجميع من حوله يتحدث عن بلوغه الرقم مليون، إلا أنه ما يزال تائها في الرقم أربعة.. عدد أعوام عمره»، مشيرة إلى أنه «هو نفسه لا يدرك يقـيناً أنه يبلغ من العمر أربعة أعوام، فـلم يكن لديـه وقتٌ لالتقاط هويته الشخصية أثناء رحلة هروبه من بيته المدمر، بل كل ما يتذكره أنه وضع يده في يد أخته التي تكبره بعام واحد ليبدأ معاً رحلة الهروب إلى المجهول.
أي خيـالٍ خصـب على الإنسان أن يتحلى به ليتصور طفلان فـي نعومة أظفارهما يخوضان تجربة الفرار من الحرب والدمار وسط البيوت في طريق الموت الذي لا يميز طفلاً ولا شيخاً. ربما علينا أن نعيد حساباتنا في تصديق بعض الروايات التي نتهم كُتّابها زوراً وبُهتاناً بأنهم غارقون في خيالاتهم».
غياب الهوية
ومع وصول الطفلين إلى الحدود، أسدل الستار على المرحلة الأولى من رحلة العذاب تلك لتبدأ مرحلة أخرى هي في جوهرها مرحلة البحث عن الذات.
فالطفل رقم مليون لا يحمل هوية تؤكد شخصيته، كما أنه فقد القدرة على النطق تماماً، وهذا أمر منطقي جداً، بل إن السؤال الذي ينبغي طرحه في هذا السياق هو: «كيف استطاع هذا القلب الصغير ان يستمر في النبض بعد كل مشاهد القتل والدمار التي تواترت على ذهنه؟.
لقد انضم هذا الطفل الصغير إلى عددٍ كبيرٍ من الأطفال الذين عقدت هذه المأساة ألسنتهم، وحولت حياتهم إلى جحيم تعذر معها أن يشعروا بالأمان حتى وهم نائمون في أسرّتهم، فالكوابيس تطاردهم في كل مكان. ونحن لا نذيع سراً بذلك، فعلماء النفس أكدوا أن الأطفال السوريين اللاجئين يعانون من اضطراباتٍ حادةٍ وخطيرة تؤثر سلباً على انخراطهم في الحياة العادية».
إن الجوانب المتعددة الوجوه لهذه المأساة الإنسانية لا تمثل قصة ذلك الطفل فحسب، بل هي واحدة من مليون مأساة أخرى يئن تحت وطأتها مليون طفل سوري لاجئ.
زرع الأمل
هناك فئة من الخيرين الذين نذروا أنفسهم لرفع المعاناة عن المظلومين والمسح على جراح المعوزين، كالشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، التي اختارتها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مناصرةً بارزة للأطفال اللاجئين وصاحبة حملة القلب الكبير، أحد أولئك الذين هزتهم هذه المأساة الإنسانية من الداخل، فانتفضت للتعاون مع كل من يملك قلبا كبيرا لمد يد العون لهذه الشريحة الضعيفة.
وقد صرحت أخيرا: «نتطلع عبر هذه الحملة إلى الوقوف جنباً إلى جنب مع أولئك الأطفال وتقديم يد العون لهم، ولن ندخر جهداً في مساعدتهم على تغيير حياتهم نحو الأفضل وزرع الأمل في نفوسهم»
لقد أطلق العالم في أعقاب الحرب العالمية الأولى صرحاً تذكارياً هو قبر الجندي المجهول على الرغم من عدم معرفتهم بالهوية الحقيقية لهذا الجندي إلا أنه يمثل كل شخصٍ فينا، بالمقابل فإن أحداً لا يعرف أيضاً الطفل رقم مليون في قوائم الأطفال اللاجئين السوريين، ولكنه يمثلنا جميعاً.
مأساة كبيرة
تخطت أعداد اللاجئين السوريين في بداية الشهر الجاري حاجز المليوني لاجئ. وقال المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنطونيو غوتيريس: «لقد تحولت سوريا إلى مأساة كبيرة في هذا القرن، إنها كارثة إنسانية تبعث على العار ترافقها معاناة ونزوح لا مثيل لهما في التاريخ الحديث. إن العزاء الوحيد هو في الجانب الإنساني الذي أبدته البلدان المجاورة في ترحيبها بعدد كبير من اللاجئين وإنقاذ حياتهم».
ويمثل عدد المليوني لاجئ كلاً من السوريين الذين سجلوا كلاجئين أو أولئك الذين ينتظرون التسجيل. وحتى نهاية شهر اغسطس، اشتمل هذا العدد على 110,000 لاجئ في مصر و 168,000 في العراق و 515,000 في الأردن و 716,000 في لبنان و 460,000 في تركيا. ويشكل الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 17 عاما أو أقل حوالي 52 في المئة من هذه الفئة من السكان.
