كشفت تقارير استخبارية أمس أن وحدة عسكرية سرية تابعة لنظام الرئيس السوري بشار الأسد تعمل على نقل الغازات السامة والذخائر الكيماوية إلى ما لا يقل عن 50 موقعاً لتصعب على الولايات المتحدة مهمة تعقبها، فيما لقي انضمام دمشق إلى معاهدة حظر استخدام وتخزين الأسلحة الكيماوية ترحيباً من حلفائها في موسكو وبكين وطهران.

ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، أمس، عن مسؤولين أميركيين، قولهم إن «وحدة النخبة السورية 450، تعمل على نشر مخزون الأسلحة الكيماوية في ما لا يقل عن 50 موقعاً، ما قد يعقد أية ضربة أميركية لسوريا بسبب هجمات النظام الكيماوية». وأضاف المسؤولون إن هذه الخطوة «تضع موضع التساؤل قضية تنفيذ الاقتراح الروسي بوضع الأسلحة الكيماوية السورية تحت رقابة دولية».

وقال المسؤولون إن «أجهزة الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية ما زالت تعرف مكان غالبية الأسلحة الكيماوية السورية، ولكنها أقل ثقة مما كانت عليه قبل ستة شهور». وشددوا على أن «الوحدة 450» التابعة للنظام تنقل مخزون الأسلحة الكيماوية منذ عدة شهور، وآخر عمليات النقل تمت الأسبوع الماضي بعدما قال الرئيس الأميركي باراك أوباما إنه يُعد لتوجيه ضربات ضد النظام.

وقال هؤلاء إن «معظم الأسلحة الكيماوية والبيولوجية كانت تخزن تقليدياً في عدة مواقع في غرب سوريا، لكن النظام بدأ منذ عام بتوزيعها على عدد أكبر من المواقع، ويبدو أنه تم نقل كميات من هذه الأسلحة إلى نحو 50 موقعاً في غرب وشمال وجنوب وبعض المواقع الجديدة في شرق البلاد».

أقمار أميركية

وأوضحت وكالات استخبارات أميركية وأوروبية أن هذه الوحدة «مسؤولة عن خلط ونشر الذخائر الكيماوية، وهي تحرص على توفير الأمن في المواقع الكيماوية». وذكرت أن «الوحدة مؤلفة من عناصر ينتمون إلى الطائفة العلوية، واحتمال خرقها والتأثير على عناصرها شديد الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً». وقال مسؤول أميركي رفيع إن واشنطن «تقدر ترسانة العناصر الكيماوية والبيولوجية الروسية بألف طن، لكنها لا تستبعد أن يكون مخزونها أكثر من ذلك».

وأضاف إن بلاده «تعتمد على الأقمار الاصطناعية لتعقب الآليات التي تستخدمها الوحدة 450، لنشر المخزون الكيماوي، لكن الصور لا تظهر دائماً ما يتم تحميله». وفي هذا السياق، ذكر مسؤولون أميركيون وإسرائيليون أن واشنطن تعتمد أيضاً على جواسيس إسرائيليين يقومون بمهام استخباراتية على الأرض بشأن «الوحدة 450».

إذعان النظام

إلى ذلك، رحب الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون برسالة دمشق التي تبلغه فيها أن الأسد وقع مرسوماً تشريعياً يقضي بانضمام بلاده إلى معاهدة حظر استخدام وتخزين الأسلحة الكيماوية.

وأصدر كي مون بياناً أكد فيه تلقيه رسالة من دمشق تبلغه بأن الأسد «وقع مرسوماً تشريعياً يقضي بانضمام دمشق إلى معاهدة حظر وتطوير وإنتاج وتخزين واستخدام الأسلحة الكيماوية وتدميرها». وأكد البيان الترحيب بالرسالة التي أوضح أن السلطات السورية «عبرت فيها عن التزامها باحترام الالتزامات المترتبة على المعاهدة حتى قبل دخولها حيز التنفيذ بالنسبة لسوريا».

ترحيب الحلفاء

وفور صدور البيان الأممي، صرّح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن قرار دمشق الانضمام إلى اتفاقية حظر الاسلحة الكيماوية يجب أن يكون موضع ترحيب باعتباره «خطوة مهمة» على طريق تسوية الازمة السورية. وأضاف: «أعتقد أن علينا أن نرحب بهذا القرار من جانب القيادة السورية».

واعتبر أن «هذا يثبت جدية نوايا شركائنا السوريين في التقدم في هذا الاتجاه». كما خرج الموقف الصيني بذات الصورة الروسية، حيث جدد الرئيس الصيني شي جينبينغ دعم بلاده للمبادرة التي قدمتها روسيا والقاضية بوضع ترسانة الاسلحة الكيماوية السورية تحت إشراف دولي.

كذلك، أشاد الرئيس الإيراني حسن روحاني بانضمام دمشق إلى المعاهدة، معبراً عن دعم بلاده للمبادرة الروسية الخاصة بوضع السلاح الكيماوي السوري تحت مراقبة دولية. ونقلت وسائل الإعلام الروسية عن روحاني قوله إن إيران «كونها الضحية الأكبر لاستخدام السلاح الكيماوي، تعارض إنتاج وتخزين واستخدام هذا السلاح وتدعم التخلص من كل أنواع أسلحة الدمار الشامل».

تدمير «الكيماوي» مكلف ومعقد وطويل

ذكر الخبير في مؤسسة الابحاث الاستراتيجية في باريس اوليفيه لوبيك أن عملية التخلص من ترسانة الاسلحة الكيماوية السورية بأيدي مراقبين دوليين ممكنة التحقيق لكنها ستكون «مكلفة جدا وطويلة جدا ومعقدة للغاية».

وبشأن الخطة الروسية للسيطرة على الترسانة الكيماوية لدى نظام الأسد، قال لوبيك: «الخطة المقترحة من الروس قابلة تماما للتنفيذ. لكنها ببساطة تتطلب الكثير من الوقت. ستتطلب المسألة على الارجح بضعة أعوام قبل التمكن من جرد الترسانة الكيماوية السورية ومراقبتها ثم تفكيكها وتدميرها.

إن روسيا التي كانت تملك 40 ألف طن من الاسلحة الكيماوية والولايات المتحدة التي كانت تملك 30 ألف طن باشرتا في تدمير ترسانتيهما الكيماويتين في أواخر تسعينات القرن الماضي. واليوم هذه العملية لم تنته بعد. من المرجح ان الولايات المتحدة وروسيا لن تنجزا هذه العملية قبل نهاية هذا العقد أو بداية العقد المقبل، ما يدل حقاً على صعوبة العملية».

وأضاف الخبير الفرنسي أن تدمير ترسانة كيماوية عسكرية «أمر معقد جدا. فهذه الاسلحة خطرة جدا. والمواد التي تحتويها بالغة السمية. يجب اتخاذ عدد معين من تدابير الحيطة، على المستوى البيئي وايضا على المستوى الامني. يجب استخدام بنى تحتية مبنية خصيصا في المكان للتمكن من تدمير هذه الاسلحة الكيماوية. ان الاتفاقية الدولية تفرض ان يتم تدمير هذه الاسلحة على اراضي الدولة التي صنعتها.

فضلا عن ذلك، فإن الامم المتحدة ومنظمة حظر الاسلحة الكيماوية لن ترسلا مفتشين الى الارض بدون التمكن قطعا من ضمان سلامتهم. هناك معارك وحرب أهلية. وهذه السلامة لن تكون مضمونة على الارجح». وتابع لوبيك قائلاً إن تدمير مئات الاطنان من العناصر الكيماوية للترسانة السورية «سيكلف على الارجح مئات ملايين الدولارات. لا أحد يعلم اليوم من سيدفع مئات ملايين الدولارات التي ستكون ضرورية لإنجاز مثل هذه العملية».