جاء المقترح الروسي المفاجئ بوضع الأسلحة الكيماوية السورية تحت الرقابة الدولية بمثابة سد طريق أمام الحرب المحتملة. وبدأ فوراً تراجع الخيارات العسكرية الأميركية ـ الفرنسية على حساب انتعاش الحركة الدبلوماسية والسياسية بدون سحب واشنطن كلياً مبادراتها العسكرية الموجهة ضد رئيس النظام السوري بشار الأسد، في خطوة اعتبرها المراقبون بأنها تغير دراماتيكي صاعق.

فالمراقبون يعتقدون أن الجهود الدبلوماسية الأحدث للغرب تركزت على تفكيك مخزون الأسد من الأسلحة الكيماوية وليست على الإطاحة به من السلطة. وعليه، تبدو المبادرة الروسية بمثابة طوق النجاة للرئيس الأميركي باراك أوباما، الذي صعد إلى قمة الشجرة وتاه في طريق العودة، أكثر ما هي مرهونة بإنقاذ نظام الأسد الذي سارع إلى تقديم تنازل تكتيكي بغية تجنب الضربة.

ويؤكد المراقبون أن «مرد تردد وتخبط القرار الغربي ناجم عن عدم دقة الحسابات وما ستخلفها الضربة من تداعيات غير محسوبة فيما لو شنت حرب مفتوحة على نظام الأسد. وفي المحصلة كان يتعين على باراك أوباما وفريقه أن يعثروا على منفذ سياسي ينجيهم من معضلة نضرب أم لا نضرب على الأقل في هذا التوقيت».

السيطرة على الترسانة

وتكشف المعطيات الراهنة أن الغاية الغربية تهدف بالدرجة الأولى إلى السيطرة على الترسانة الكيماوية التي تزعج إسرائيل، ومن ثم الضغط على النظام ليوافق على الذهاب إلى «جنيف2» بدون شروط مسبقة. وفي هذه الحالة، سيشهد الملف جعجعة بلا الطحين، لأن كل التحليلات تقول إن واشنطن غير مستعدة لخوض حرب أخرى في الشرق الأوسط، إنّما تريد أن تحافظ على نفوذها في المنطقة بحكم العامل الدبلوماسي.

ومن الواضح أن احتمال حسم المعضلة السورية بالخيارات العسكرية يتراجع، في حين أن الحلول السياسية تفتقر إلى إرادة دولية صلبة. ولعل أنسب طرح لدى إدارة أوباما، بحسب المعارض السوري المقيم في باريس فؤاد قطريب، هو تعفن القضية السورية أكثر فأكثر.

والذي قال ان «الغرب لا يمارس سياسية إستراتيجية واضحة المعالم تجاه القضية السورية، فهو يتعاطى مع الأحداث والجرائم بطريقة براغماتية آنية. وكل هذه الحجج بموقف الرأي العام وقرار الكونغرس وقبول المبادرة الروسية في شل قدرة الأسلحة الكيماوية، هو دفع حالة التعفن إلى الحدود القصوى تزامناً مع حماية أمن إسرائيل».

كسب الوقت

وفي المقابل، يحاول النظام السوري بدوره، من خلال طرح المبادرة الروسية والموافقة عليها، أن يكسب المزيد من الوقت للوصول إلى الحين الذي يمكنه من طرح مشروع سياسي لحل الأزمة ضمن سلة من المشاكل والقضايا العالقة في المنطقة، ظناً منه أن الدخول في نفق الأسلحة الكيماوية وعملية المراقبة وإتلافها يتطلب وقتاً طويلاً.

وإن كانت الولايات المتحدة تشترط القبول وفق برنامج زمني قصير ومحدد، إلا أن الدخول في تفاصيل المبادرة من حيث التنفيذ لا بد أنه سيأخذ الوقت الكافي لتغيير المشهد على الأرض. وتحسباً لذلك، طرحت فرنسا بالمقابل مشروع تسليم الأسلحة الكيماوية إلى مجلس الأمن لتكتسب قرار التنفيذ الملزم، لكي لا تتمكن دمشق من التملص من التزاماتها.

وعلى الرغم من ذلك، تبدو عملية مراقبة السلاح وتسليمها عملية معقدة جداً، ولا يمكن تنفيذها بالدقة. وفي آخر المطاف سيعود الخيار العسكري إلى الواجهة مجدداً. ويقول عضو في المجلس الوطني السوري محمد سرميني إن «النظام بدأ يتفكك، وموافقته على تسليم الأسلحة الكيماوية بمثابة بداية نهايته، والرضوخ للضغط الغربي.

مناورة سياسية

قالت الناشطة السورية سماح الهدايا إن «واشنطن لن تتراجع عن قرار شن الحرب، وأن كل ما يجري عبارة عن مناورة سياسية لكسب المزيد من الوقت، فما هو قادم سيكون حربا شاملة، وليست ضربة عسكرية محدودة النطاق».

وبحسب الهدايا، فإن «المقترح الروسي هش ولا يصلح أن يكون منفذاً لنظام الأسد على اعتبار أن استفحال الإجرام لدى النظام لا يسمح له أن يتنازل عن قوته مهما يكن، ولا توجد بوادر صريحة تشير بتخلي النظام عن سلوكياته، بل لا بد من شن الضربة العسكرية حتى يردع وينهار».

 

تابع