أن تفشل الثورة السورية بعد 30 شهراً من التضحيات الأسطورية في معركة إقناع الرأي العام الغربي بعدالة قضيتها أو على الأقل جذب الأغلبية نحو تأييدها، فهذا يعني أن ثمة عجزاً أكيداً من الضروري الاعتراف به، في وقتٍ نجح النظام في استدراجه نحو أكاذيبه.
إخفاق أداء المعارضين الهش بشكلٍ كبير في مخاطبة الإعلام الأجنبي بإصراره على استخدام لغةٍ خشبيةٍ كررت لازمة أن النظام يقتل أناساً أبرياء وأنهم بحاجة إلى دعم غربي، وهو الأمر الذي لا يلعب على عواطف الأميركي أو البريطاني أو الفرنسي كثيراً. فبالنسبة إليه، لا يهمه إن قتل عشرون سورياً في إدلب أو خمسة عشر في داريا، لأنه بكل بساطة لا يعرف إن كانت داريا مدينة أم نوعاً من أنواع الجبنة المحلية.
وفي نهاية اليوم، قد يشاهد أميركي في ساكرامنتو أو فرنسي في بوردو أو بريطاني في نيوكاسل صور القتلى في سوريا، ويقول لنفسه مستنكراً: يا إلهي!! ومن ثم، ينصرف إلى متابعة أعماله أو يذهب إلى سريره.
ومنذ عامين ونصف العام، لم يسمع أحد أو يرى توظيفاً من قبل المعارضة لشركة علاقات عامة محترمة في الغرب تلقن شخوصها ألف باء الحديث إلى وسائل الإعلام واستخدام المصطلحات التي تسهم في التأثير في المتلقي، وتتولى مهمة تسويق الثورة وشرح الحوادث الفردية التي ارتكبت من بعض أعضاء الجيش الحر وتلقفتها بسرعة وسائل الإعلام الغربية وشركات العلاقات العامة المجندة من قبل النظام، وعملت بها تضخيماً.
مجزرة إعلامية
ومنذ عامين ونصف العام، تبث محطات التلفزة حول العالم مشاهد الدمار في سوريا، وترفقها دوماً بتعليق صوتي يتحدث عن معارك بين «متمردين» و«قوات حكومية». لا يختلف هذا التوصيف كثيراً عن المقاربة لشرح ما حدث ويحدث في غير دولةٍ إفريقية بين ميليشيات متقاتلة في ظل غياب دولة مركزية قوية، تماماً عكس ما يحصل في سوريا.
وينطبق هذا الأمر على معظم المحطات الأميركية والبريطانية والهولندية والأسترالية، في حين سارت بضعة وسائل إعلامية حكومية فرنسية في ركب الدولة الرسمي، مع استثناء وكالة أنباء يسيطر عليها فريق «مهووس» بمكانة ومستقبل الأقليات في المنطقة.
وإمعاناً في المجزرة الإعلامية، يتوقف صوت المحرر في التقرير الإخباري عادةً لثانيتين أو ثلاث ليفسح المجال لعبارة «الله أكبر» التي يرددها في تلك اللحظة ثائر سوري، ما يسمح لمخيلة المتابع الغربي أن تسبح بعيداً فتصم مقاتلي المعارضة بالتشدد، بسبب ارتباط تلك العبارة الجليلة في الوعي الغربي بالغلو الإسلامي. حتى إن السيناتور الجمهوري جون ماكين اضطر أخيراً إلى استهلاك خمسة دقائق من وقت مقابلته مع محطة «فوكس نيوز» للدفاع عن استخدام الثوار التكبيرات كلما دمروا هدفاً أو سيطروا على موقعٍ ما لقوات النظام.
ماكينة النظام
وفي المقلب الآخر، نجحت ماكينة النظام الإعلامية في تصوير ما يحدث على أنه معركة بين دولة علمانية وحفنة من الإرهابيين الآتين من كل حدب وصوب، ساعده على ذلك «لوبي» موالٍ له في واشنطن.
وليس في الأمر غرابة: فللنظام سياسيون أميركيون مؤيدون سبق وخدموا في دمشق ولعبوا دور الوسيط بينه وبين إسرائيل خلال التسعينات، من أمثال إدوارد جيريجيان وثيودور قطوف ونك رحال، عدا عن أشخاص ما زالوا في دائرة صنع القرار كنانسي بيلوسي، صاحبة اللقطة المشهورة .
وهي تتذوق الحلوى الدمشقية خلال جولتها في سوق الحميدية حينما زارت دمشق في 2007 في عز العزلة التي فرضتها الولايات المتحدة على النظام. وهناك بلا شك رئيس الدبلوماسية الحالي جون كيري، الذي جلس على طاولة واحدة في مطعم دمشقي مع الأسد في 2009 يستمتعان بأطايب الطعام السوري، قبل أن يدرك بعد أربعة أعوام أنه كان يجلس إلى جانب «قاطع طريق وقاتل»، بحسب ما صرح منذ أسبوعين.
ولا يمكن هنا نسيان جيش الإعلاميين الأميركيين وشركات العلاقات العامة التي جندها النظام لخدمته، حيث لا ينفك المرء يسأل نفسه عن الفائدة التي جنتها صحافية مخضرمة مثل بربارا والترز من الحوار مع الأسد، وهي التي لا تحتاج بطبيعة الحال إلى شهرة تجنيها من مقابلة دكتاتور.
ومن الضروري في هذا الصدد استذكار مقابلة مندوب النظام لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري على شاشة «سي إن إن» أخيراً، حيث تكلم بإنجليزية سليمة وبلغة يفهمها ويتفهمها الرأي العام الغربي، تحذر من سقوط نظامٍ «يحكم بلداً صغيراً مسالماً»، حامٍ للأقليات. ولولا أنه كان في مواجهة صديقة الثورة السورية الوحيدة في الإعلام الغربي المتمرسة كريستيان أمانبور، لاقتنع رئيس أركان الجيش الحر اللواء سليم إدريس نفسه بمحتوى كلامه.
دور سلبي
وهناك كذلك مكون سوري لعب دوراً مؤسفاً، حيث نجحت خلاياه المنتشرة في المهاجر في تعبئة دولة لا تتجاوز مساحتها شقتين في معضمية الشام لتدعو إلى يوم صيام وصلاة من أجل السلام وضد الضربة العسكرية الأميركية، بدون أن يكون هناك دعوة مماثلة في الفترات التي تلت المجازر ومنها محرقة الغوطة.
إذاً، ساهمت عوامل عدة في تلك السقطة الكبيرة التي كان بالإمكان تفاديها بالتخطيط السليم والاهتمام برأي الخارج بدلاً من التركيز على الداخل فقط.
