يتسلل المفاوض الإسرائيلي من النصوص التي أكد عليها مجلس الامن الدولي وفق القرار 242، الداعي إلى حدود «آمنة ومعترف بها»، لتحويل مسار المفاوضات مع الفلسطينيين من اقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967 إلى إعادة ترسيم حدود جديدة لاسرائيل، التي تعتبر حدود هدنة عام 1949 لا توفر لها الأمن والامن الكافيين، ما يتيح لها ابتلاع المزيد من الأرض الفلسطينية المحتلة، باعتبارها ضرورة لأمنها، وإلباسها الثوب الشرعي تحت ستار المفاوضات وقرارات الشرعية الدولية.
إسقاط حدود
وفي وقت يرفض الفلسطينيون التنازل عن حدود الرابع من يونيو، باعتبارها الحد الادنى من حقوقهم المشروعة، تطمح إسرائيل لرسم حدود جديدة تتماشى وجدار الفصل والضم العنصري الذي فرضته أمرا واقعا، يتيح لإسرائيل ضم الكتل الاستيطانية الكبرى، وطرقها الالتفافية وما تنطوي عليه هذه المساحات من مخططات هيكلية لتوسيع المستوطنات بما يستجيب للزيادة السكانية الاسرائيلية.
ويعتبر المحلل السياسي أحمد رفيق عوض، في حديثه لـ «البيان»، أن «الحديث عن حل الدولتين من وجهة نظر اسرائيلية، تدعمها الإدارة الاميركية، يختلف عن معناه الحقيقي القاضي بقيام دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب دولة اسرائيلية، حيث أصبح يعني إسقاط حدود 1967، وتهميش القرارات الدولية المتعلقة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والتعامل مع القضية من منطلق الحاضر أو الأمر الواقع بعيدا عن امتدادها التاريخ، وإعادة ترسيم حدود جديدة لإسرائيل تتوسع بقدر هاجسها الأمني الذي لا ينتهي ولا يتوقف».
عبارة فضفاضة
من جهته، يؤكد الباحث في شؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان محمد جمال لـ «البيان» أن مصطلح الأمن في إسرائيل «عبارة فضفاضة»، تمتد لتشمل البعد الأمني العسكري والمائي والديمغرافي والاقتصادي والغذائي، وغيره من أشكال الامان الذي تبحث عنه البشرية.
ويضيف جمال إن «إسرائل تعتبر حدود الدولة الفلسطينية وفق الرابع من يونيو تهديد لمختلف أشكال أمنها أو تقويضا لحلمها اليهودي بإقامة اسرائيل الكبرى، لذلك تصر على الضغط على المفاوض الفلسطيني للتنازل عن هذه الحدود، ولذلك يواجه الفلسطينيون الآن سيلا من المطالب الإسرائيلية التي لن تنتهي، بحيث أصبحت المفاوضات تأخذ هذا المنحى بدل أن تكون طريقة سلمية حضارية لإنهاء الاحتلال وتفكيك الاستيطان ورحيلهما عن الأرض الفلسطينية».
متاهات الحلول الأمنية
تؤكد تسريبات جلسات المفاوضات المغلقة على أن عملية المفاوضات منذ انطلاقها حتى الآن تدور في متاهات الحلول الأمنية للالتفاف على المطالب المشروعة للشعب الفلسطيني بدواع أمنية معقدة، بينما لا زال الفلسطينيون متمسكين بحدود الرابع من يونيو. لكن المراقبين يرون في التعنت الإسرائيلي والانحياز الأميركي «مؤشران خطيران» ينذران بتصاعد الضغط الأميركي على الفلسطينيين لإسقاط حدود الرابع من يونيو، وفتح آفاق جديدة أمام الرواية الإسرائيلية التوراتية التي تقف منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الفلسطيني الشرعي- في مواجهتها، وبما يضمن العودة إلى مربع الدعاية الإسرائيلية القائمة على أساس أن «الأرض متنازع عليها وليست محتلة»، وما يوفره ذلك من امتداد نحو الآفاق التوراتية اليهودية المبنية على أساس قيام دولة إسرائيل الكبرى وبناء هيكلها العظيم مكان القدس العربية. البيان