المفارقة صارخة، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ينقذ نظيره الأميركي باراك أوباما الذي تلقف الانقاذ. في ذروة تأزم المشهد الأميركي بخصوص العملية العسكرية ضد النظام السوري؛ جاءت المبادرة الروسية لتوفر لحظة التقاط أنفاس لواشنطن وفي ذات الوقت لتزيد من إرباكها. الإدارة التي وضعها تخبّطها في الزاوية، سارعت إلى الإمساك بمشروع بوتين كحبل إنقاذ ولو مؤقت، على الرغم من تحفظها وارتيابها بطبيعته وغاياته. لم يكن لها خيار بعد «التخبط» الذي مارسته حيال الأزمة. أوباما كان يعرف أنه من المتعذر عليه استمالة الرأي العام إلى جانبه، مهما كانت مخاطبته له بارعة. وكانت كذلك، بحسب ما نطقت به ردود الفعل عليها، لكنها لم تقو على خلخلة الرفض لصالحه.
أحلاهما مر
معظم الكونغرس هو الآخر وبكافة أطرافه، رأى في الفكرة ما يعفيه من خيارين أفضلهما محرج ومكلف، صدّ أوباما ورفض الموافقة على طلبه العسكري، ولمثل هذا الموقف عواقبه على صعيد السياسة الخارجية. أو منحه ما يريد ودفع الثمن الانتخابي لمثل هذه السباحة ضدّ التيار الشعبي.
كذلك، اندرجت في هذه الخانة مواقف غالبية جيش المراقبين والمحللين وخبراء السياسة الخارجية. كلها انضوت تحت عنوان واحد مفاده أن المشروع ينطوي على مخرج محتمل ومن المصلحة اختباره ومنحه الفرصة اللازمة.
الإدارة حجبت قبولها، في الواقع تلقفها السريع للطرح الروسي، بورقة قوية وهي أن مشروع موسكو ولد من رحم التهديد الأميركي الجدّي بعملية عسكرية. لولا هذا القرار، تقول، ما كانت موسكو ولا دمشق في وارد مثل هذه الخطوة. وبالتالي هي نقطة انطلاق للبناء عليها.
لكن بقدر ما أخرجته من مأزقه الداخلي، بقدر ما طرحت على واشنطن تحديات صعبة ومربكة. على رأسها التأكد من جدّية المبادرة وإمكانية وضعها موضع التنفيذ. الكل في واشنطن، يتعامل مع هذا التطور من زاوية أنه أوجد فسحة قد تؤدي إلى تفادي الخيار العسكري.
فيض من الأسئلة
لكنها فسحة مثقلة بالارتياب وفيض الأسئلة التي تردّدت في الساعات الأخيرة: كيف يصار إلى ترجمتها؟ هل بقرار دولي ملزم تحت الفصل السابع؟ هل توافق عليه موسكو، التي سارعت إلى التلويح برفضه؟ وإذا كانت جاهزة فلماذا التأخير في مجلس الأمن؟ بل لما ذهاب كيري إلى جنيف وليس إلى مجلس الأمن؟ ثم ما هو السقف الزمني؟ هذا عدا عن الأسئلة اللوجستية والتقنية، التي يقول المراقبون بأنها شديدة التعقيد ومرهونة بمدى تعاون سوريا وعزمها على تسليم هذا السلاح.
تقاطع مصالح
ثمة من يتحدث عن ما يسميه «تقاطع المصالح» بين موسكو وواشنطن، لناحية أن للجانبين مصلحة في الخلاص من الكيماوي لئلا يقع في يد المتطرفين.
كما أن المشروع قد يتحوّل إلى مدخل لمعالجات أكبر في المنطقة. فلو سارت الأمور في هذا الاتجاه فإنها ربما تكون انعطافة نحو انفراج أوسع في المنطقة، حسب هذه القراءة التي لا يستبعدها فريق من الاستراتيجيين، منهم زبغنيو بريجنسكي.
لكن كفة التحذير من التمادي في التفاؤل ما زالت راجحة. فواشنطن تبدو وكأنها تفاجأت بتطور أراحها بقدر ما أربكها. أو أن الخطوة جاءت محبوكة بعناية فائقة بين واشنطن وموسكو، بحيث أنه جاءت في اللحظة المواتية التي لا يقوى أحد على رفضها، من دون أن يضمن أحد ترجمتها.
قبولها المبدئي، وحده العملة الرائجة الآن في واشنطن. التوقعات حول الآتي، تغلفه الحيرة. أوباما المحتار أصلاً رأى نفسه في حيرة أخرى مؤجلة. فلا شيء واضح حتى الآن إلا اثنين: أولا، أن بوتين احتل مقعد اللاعب الأول وحتى إشعار آخر.
ثانياً، أن سوريا تدوّلت كلياً وصار ليس فقط قرارها بيد الخارج، بل سلاحها أيضاً ومصيرها.
