منذ اتفاق أوسلو وحتى اليوم، شهدت عملية التسوية نجاحا ساحقا لخطة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في تنفيذ برنامجها الاحتلالي من خلال المكر الإسرائيلي وأساليب المناورة والمماطلة وتجديد استخدام مخططات التهويد التي أبدعت حكومة الائتلاف اليمينية الراهنة والسابقة منذ سيطرة اليمين على الحكم في إسرائيل بتشكيلتها الأكثر عنصرية في تطويع المفاوضات لمصلحتها، واقناع العالم بأنها ملتزمة بسياسة بناء الثقة مع الفلسطينيين من أجل الوصول لـ«السلام». وبقيت القيادة الفلسطينية، الطرف الأضعف في معادلة الصراع، تبدي ليونة تجاه الموقف الأميركي المترنح والتعنت الإسرائيلي الصلب في محاولة لتجنيب الشعب الفلسطيني مزيدا من الدماء التي قد تحقنها مسيرة السلام، ولكن مع استمرار معادلة التسوية بهذا الشكل، يبدو مصير القضية الفلسطينية مجهولا وحلم الدولة المستقلة بعيد المنال.
وحتى المفاوض الفلسطيني يقر بـ«عبثية المفاوضات» على الرغم من أنه يجد نفسه مضطرا في كل مرة لممارستها نظرا لظروف وعوامل مختلفة فلسطينية داخلية وعربية واقليمية ودولية تشكل ضغطا لتجنيب المنطقة عاصفة من العنف، ولكن استمرار هذا المسلسل وضع القيادة الفلسطينية، الرئاسة من جانب ومنظمة التحرير من جانب آخر، في مأزق أمام الرأي الفلسطيني الشعبي الذي فقد ثقته بالتدريج في هاتين المؤسستين إلى جانب الفصائل المعارضة والمستقلة وفي مقدمتها حركة حماس التي ابتعدت بوصلتها عن القضية الفلسطينية كثيرا باتجاه ميدان رابعة العدوية وأزمة الإخوان المسلمين.
ويؤكد المحلل السياسي محمد أبو الرب أن «هذا المارثون التفاوضي المستمر منذ أوسلو والذي أشرفت على إعداده الإدارة الاميركية بتوصيات الكنيست الإسرائيلي لن يستمر»، مؤكدا أن «مفاوضات التسعة شهور بجهود وزير الخارجية الاميركي جون كيري ستكون الجولة النهائية فيه، لأن القيادة الفلسطينية لا تملك التنازل عن ما تريده إسرائيل من خلال المفاوضات، وهذا يفتح الباب أمام مواجهة جديدة يستعد لها الفلسطينيون والإسرائيليون على نحو مختلف».
ويشير مراقبون إلى أن «الموافقة الفلسطينية على دعوة كيري للعودة للمفاوضات بدون معايير واضحة وضمانات أكيدة وتنازلها عن شروطها السابقة المتمثلة في وقف الاستيطان واطلاق الاسرى دفعة واحدة تعود في حقيقتها إلى التمهيد لانطلاقة دولية مبنية على اساس كشف حقيقة الاحتلال وزيف نواياه التفاوضية من خلال تجربة التسعة شهور، لضمان أكبر قدر ممكن من الالتفاف الدولي حول المطالب الفلسطينية المتمثلة في الانضمام للمعاهدات الدولية وحتى رفع مكانتها في الأمم المتحدة لصفة دولة».
وفي الجبهة المقابلة، تحاول اسرائيل تفريغ هذه المفاوضات من مضمونها واستغلال الاحتقان الشعبي ضد السلطة عبر حصار مالي خانق وتوجيهه نحو مطالبة بإسقاط التمثيل الفلسطيني والرئاسة الفلسطينية التي لم تعد تملك ما تريد اسرائيل الحصول عليه، وبالتالي، إشغال القيادة الفلسطينية في أزمة داخلية.