أيقظت الضربة الغربية المرتقبة ضد نظام بشار الأسد الحركة الكردية السورية المنقسمة على ذاتها من سباتها السياسي والدبلوماسي. وسارعت الأطراف المتناحرة إلى إعادة لملمة أوراقها من جديد لعلها تجد موطئ قدم لها في تركيبة الاصطفافات السياسية المتشكلة على أمل الخروج في نهاية المطاف بمظهر المنتصر. سيما أن صورة تموضع الحركة الكردية أصبحت جلية بعد جملة من النشاط الدبلوماسي والسياسي لقادة تلك الأحزاب والأطراف على امتداد خط اسطنبول- أربيل- القاملشي. فبرزت في المحصلة ثلاثة تيارات رئيسية متضاربة الرؤى والأهداف ومتنافرة في هيئة التحالفات والتخندقات السياسية. لكن جميعها تحمل في جعبتها مطالب القومية الكردية ولو عبر مشاريع متباينة.
التيار الأول يقوده عضو البرلمان السوري ورئيس المبادرة الوطنية الكردية عمر أوسي والذي يتهم بقربه من النظام السوري دون امتلاكه شرعية شعبية وسط الشارع الكردي. ويرى أوسي أن تحالف الاكراد مع نظام «الممانعة» في وجه الضربة العسكرية أنسب خيار في الوقت الراهن. ومن أجل تحشيد الدعم لهذا التوجه قرر أن يزور قيادة إقليم كردستان ويلتقي مع مسعود البرازني الذي يملك نفوذاَ واسعاً على المجلس الوطني الكردي.
محاولة استمالة
في خطوة اعتبر خصومه انها لا تصب لصالح المكون الكردي. وحسب التقديرات فأن أوسي يسعى وبإيعاز مباشر من بشار الأسد استمالة الهيئة العليا الكردية إلى حضن سلطة دمشق وتحت رعاية رئيس الإقليم مقابل ابداء بشار الأسد استعداده سماع مطالب الاكراد المتمثلة في الإدارة الذاتية، وأن تقوم الحركة الكردية بقطع علاقاتها مع الدول الإقليمية الداعمة للمعارضة المسلحة وتقف مع النظام صفاً واحداً ضد الضربة الأطلسية.
وبنظر البعض فإن النظام السوري الذي يلتقط أنفاسه الأخيرة يتحرك بسرعة لمنع انضمام المجلس الوطني الكردي إلى الائتلاف الوطني. ومن غير المنطقي الرهان على خيارات الأسد بعد ارتكابه مجازر لا تحصى بحق الشعب السوري. فهو يريد أن يبرهن عبر هذه الخطوة إظهار للعالم الخارجي أنه حامي حقوق الأقليات في سوريا . وليس مرجحاً أن يتكلل جهود أوسي بهذا الصدد في تحقيق نجاح يذكر، بسبب حسم غالبية الأطراف الحركة موقعها ضمن المعارضة.
حقوق الاكراد
في حين يعيش التيار الثاني المتمثل في المجلس الوطني الكردي تناقضاً جذرياً مع التيار الأول. حيث حسم أمره بالوقوف في خانة الثورة، ويعتبر سقوط النظام مسألة حتمية. وبناء عليه، يحاول نيل حقوق الاكراد عبر الأطر المعارضة السورية الأكثر راديكالية ضد بشار الأسد. ويجري حالياً مشاورات حثيثة في القاملشي وأربيل مع الهيئة العليا الكردية تمهيداً للانضمام إلى الأئتلاف الوطني السوري.
ويربط المراقبون قرار توجه المجلس الكردي صوب الأئتلاف المعارض نتيجة اقتراب موعد الضربة العسكرية، واعتماد القوى الغربية على الائتلاف ليكون بديلاً لنظام الأسد. وبهذا يعتبر الموافقة على العمليات العسكرية ضد النظام بشتى أشكاله موقف يشاطره المجلس الكردي مع الأئتلاف الوطني.
تأثيرات ايجابية
ويعتقد الكاتب الكردي محمود عباس والقريب من توجهات المجلس الوطني بأن الضربة العسكرية لها تأثيرات إيجابية في المستقبل. وسيكون تغيير السلطة من مصلحة القضية الكردية. فإذا أدت الضربة إلى تقويضها أو إزالتها ستكون لصالح الاكراد، ولا بد أن تساند الأحزاب الكردية الضربة رغم الواقع الإنساني المرير من تبعاتها المتوقعة. ويحمل عباس السلطة السورية مسؤولية استنجاد المجتمع السوري بالخارج للتدخل بهدف وقف المجازر المرتكبة بحق الشعب.
وبهذا يبدو الوفاق والترحيب بالضربة العسكرية واحتلال موقع في جسم الائتلاف الوطني المدعوم عربياً وغربياً لسان حال هذا الفريق الذي يعاني من تقهقر شعبيته مقارنة مع حزب الاتحاد الديمقراطي.
وبين هذين التيارين المتنافرين، تأخذ حركة المجتمع الديمقراطي التي ينبثق منها حزب الاتحاد الديمقراطي الشريك الرئيسي في الهيئة العليا الكردية وحليف هيئة التنسيق الوطنية موقفاً وسطياً. إذ ترفض فكرة الضربة العسكرية من منطلق ما تحملها من المخلفات التدميرية على سوريا، علاوة على ضبابية الحلول السياسية المقترحة من القوى الغربية بحيث تعجز على ترجمة تطلعات الشعب السوري. مساع
يسعى قياديو حزب الاتحاد الديمقراطي في مدينة القاملشي هذه الأيام إلى إقناع المجلس الوطني الكردي بالعدول عن قرار الانضمام بمفرده إلى الائتلاف الوطني، ويجاهد الحزب في إنعاش الهيئة العليا الكردية لتشكل المظلة الوحيدة التي تحدد وجهة الحركة الكردية وموقفها من الأحداث الداخلية والخارجية.
ومرد رفض الاتحاد الديمقراطي الذي يتمتع بشعبية واسعة في الشارع الكردي للضربة العسكرية ليست مسايرة لرؤية السلطة السورية التي بنظر هذا التيار لا بد من إسقاطها بطرق سياسية دون اللجوء إلى العنف العسكري والاستنجاد بالتدخلات الخارجية. ولعل صالح مسلم الذي يقود الحزب أفصح منذ أيام خلت عبر تصريحات إعلامية عن موقف حزبه الرافض لأي تدخل عسكري. مشدداً أن التوافق الدولي على قاعدة «جنيف 2 » يشكل بوابة لحل المعضلة السورية الشائكة.