دخلت قضية القدس مرحلة خطيرة بعد ضم إسرائيل لشطر المدينة الشرقي تنفيذا لمخططها الرامي لتوحيد شطري المدينة لتكون العاصمة لدولة إسرائيل الموحّدة والأبدية. ولم تترك حكومات الاحتلال المتعاقبة على مدى ثلاثة وأربعين عاما من احتلال القدس، وسيلة إلا واتبعتها لطرد المقدسيين واستكمال تنفيذ مخططات التهويد بحق المدينة التي تواجه اليوم تصاعدا كبيرا في حجم الاقتحامات الإسرائيلية للساحات والباحات للمساجد والكنائس في قلب المدينة، سعيا للاستيلاء على ما تبقى من خلال فرض التقسيم الزماني والمكاني بما يحقق المصلحة الإسرائيلية والتغطية الكافية لإقامة الهيكل الإسرائيلي مكان المسجد الأقصى، إيذانا بإعلان الدولة اليهودية الأبدية قبل أن تقوض العملية السلمية الجارية والضغوط الدولية المتوقعة. هذه المساعي التي باتت تصارع الوقت بعد أن انكشفت أساليب الاحتلال وما تنطوي عليه من مماطلة، ما يعني في نهاية المطاف استباق أحلام السلام بهدف دفنها.
اقتحامات نوعية
ووفقا تقديرات المراقبين، يعيش معظم سكان القدس الذين يشكّلون حوالي سدس سكان الضفة الغربية في ظروفٍ استثنائية صعبة نتيجة السياسات والقوانين الإسرائيلية، ما دفع بحوالي ثلث سكان القدس إلى تغيير مكان إقامتهم، خصوصا بعد بناء جدار الضم والتوسّع وتبعاته، كما تعرّضت حوالي خمس الأسر المقدسية إلى مصادرة الأراضي.
تطرّف الاحتلال
في السياق، يؤكد أستاذ القانون الدولي حنا عيسى في تصريحات لـ «البيان» أنّ «الهدف الأساسي للحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرّفة الآن يتمثّل في إكمال تهويد المدينة وإخراج الفلسطينيين منها بكل الوسائل والسبل كي تواجه إسرائيل الفلسطينيين بالأمر الواقع، وتقطع الطرق عليهم في أن تكون القدس الشرقية عاصمة لدولتهم القادمة».
ويضيف عيسى إنّ «الاقتحامات الأخيرة لحاخامات اليهود بزي الهيكل وتأدية حصص تدريبية على عباداته تطور خطير جدا، فهذه الاقتحامات النوعية تحمل في طياتها رسائل خطيرة فحواها أنّ المسجد الاقصى المبارك لليهود وحدهم ومركز لهيكلهم المزعوم، وهذه إشارات حقيقية على ان اليهود باتوا اقرب مما نتصور لبلوغ غايتهم المنشودة بتهويد المسجد والسيطرة الكاملة عليه، وتحويله لكنيس يهودي بحت تفتح بواباته أمام اليهود والمتطرفين دون عائق أو مانع».
تهويد المدينة
من جهته، يشير الخبير في شؤون القدس ابراهيم الفني لـ «البيان» إلى أنّ «إسرائيل منذ احتلالها للأراضي الفلسطينية في الرابع من حزيران عام 1967، وهي تعمل جاهدة لخلق واقع جديد يكون فيه اليهود النسبة الغالبة في مدينة القدس»، معتبراً أنّ «السياسات والإجراءات والقوانين الإسرائيلية التي تطوق القدس تؤكّد أنّ اسرائيل لا تؤمن بحل الدولتين ولا بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية وفق ما يقتضي الحل العادل المبني على أساس قرارات الشرعية الدولية».
وأضاف الفني أنّ «إسرائيل تريد السيطرة الكاملة على المدينة وعلى مقدساتها بحيث يبقى لها الحق الكامل في إصدار تراخيص وتأشيرات عبور الفلسطينيين للصلاة في مساجدهم وكنائسهم». ويستطرد: «أما المقدسيون في المدينة فسيتم ترتيب جدول زماني ومكاني لهم لتنظيم دخولهم وخروجهم من وإلى الأماكن المقدسة لغرض الصلاة والعبادة، وهذا يتزامن مع تصاعد الاقتحامات اليومية لقطعان المستوطنين الذين ارتفعت وتيرة مطالبتهم بفتح المسجد الأقصى امام اليهود والسيطرة عليه».
صمت دولي
أكد حقوقيون أنّ «صمت المجتمع الدولي بمؤسساته ومنظماته المختلفة عامل أساسي في تمادي سلطات الاحتلال بانتهاك حرمة المسجد الأقصى والسعي المتواصل لتحقيق الحلم اليهودي بإقامة الهيكل المزعوم، ما يستدعي تحرّكا عربيا عاجلا لإخراج المجتمع الدولي عن صمته وإلزام إسرائيل بتطبيق القرارات الشرعية ذات العلاقة».
ويلفت الحقوقيون إلى أنّ «القدس الشرقية هي أرض محتلة منذ يونيو 1967 وتخضع لقواعد القانون الدولي الخاص بحالات الاحتلال الحربي».