يرى الكثير من العراقيين أن الخلافات القائمة بين الكتل السياسية العراقية ليست حقيقية أو جوهرية في الواقع، وهي عبارة عن مزايدات ومناورات لإلهاء الشارع العراقي بأمور جانبية لا تتعلق بمشاكله ومعاناته الحقيقية.

وما يؤشر على هذه الحقيقة بشكل عملي أن وجوه القيادات السياسية التي جاءت مع الاحتلال الأميركي أو من خلاله، مازالت هي نفسها المسيطرة على زمام الأمور، منذ 2003 لغاية الآن، مع تغييرات شكلية في المواقع، وحتى في الانتماءات.

أما العناصر الجديدة في «العملية السياسية»، فهي إلى حد الآن لم يعرف انتماؤها لعدم وجود برامج واستراتيجيات محددة وواضحة المعالم للكتل السياسية التي تتغير مواقفها ومواقعها بحسب الطلب، أو بحسب مقتضيات الواقع وتطوراته المطلوبة.

وتتقلب الوجوه السياسية بشكل تلقائي أو مرسوم بين الكتل، وهذا أمر طبيعي عندما تنعدم الرؤية الإيديولوجية مع بقاء قيادات هذه الكتل، على الرغم من تقلب مواقفها وامتزاج تحالفاتها، لتتوزع بشكل جديد يشبهه المراقبون بأنه «شراب واحد قديم بزجاجات جديدة، وقد تضاف نكهات مختلفة إلى بعض تلك الزجاجات، ولكنها تبقى في الجوهر كما هي وتؤدي المفعول المطلوب».

ثلاث كتل

ويقول احد الفائزين في الانتخابات الأخيرة لمجالس المحافظات انه تنقل خلال شهر واحد بين ثلاث كتل إلى أن وجد أفكار كتلة ائتلاف دولة القانون مقاربة لأفكاره، فانتمى إليها. وهذا مثل لسياسي فائز في انتخابات ولا يعرف برامج وأفكار الكتل السياسية.

وهذه الرؤية ليست غريبة عن الواقع السياسي في العراق، لأن معظم كوادر وقيادات حزب الدعوة، وليس الأعضاء فقط، لا يعرفون المبادئ الأساسية لحزبهم، والتي يلم بها معظم الذين انسحبوا من هذا الحزب، وعادوا أدراجهم إلى الخارج.

واقع مر

يرى المراقبون السياسيون أن هذا الكلام ليس انتقاصاً من حزب الدعوة، بل هو واقع أغلبية القوى الرئيسية الحاكمة وكذلك المعارضة في آن واحد، والتي تلتقي في المصالح والمغانم وتتحالف في الجزئيات.

ثم تتفق وتختلف في مجموعة قضايا لإلهاء الرأي العام عما هو فيه من فقدان الأمن والخدمات الضرورية والانهيار المتواصل للبنى التحتية وسيطرة لوبي الفساد، الذي يعد الآن أقوى التنظيمات في العراق، ويضم قيادات ومفاصل مهمة لكل الكتل المندمجة في العملية السياسية.

ويمكن القول إن الخلافات السياسية الحالية، وعدم التوصل إلى حلول، تقدم صورة حقيقية للواقع السياسي العراقي «الرسمي»، في ظل غياب أية معارضة حقيقية، بحسب ما يظهره الواقع العملي، و«القانوني»، الذي يعتبر «العملية السياسية» التي أوجدها ورعاها الاحتلال هي الحجر الأساس، وكل من يعارضها أو ينتقدها فهو «بعثي صدامي إرهابي»، وربما «عميل للأجنبي» أيضا.

 وعلى الرغم من هذا، تنتقد كل الكتل السياسية الرسمية، بما فيها كتلة رئيس الوزراء، هذه العملية السياسية، بل وتعتبرها أساس كل المشاكل الحالية والمستقبلية، في محاولة للتناغم مع الشارع وتبرير إخفاقاتها متى تطلب الأمر ذلك.

ساحة للقتال

 

تسير «الديمقراطية» في العراق ضمن خط واحد هو المشارك في ما يسمى «العملية السياسية»، التي رسمت الإدارة الأميركية خطوطها العامة، وحتى الصغيرة، بما في ذلك جعل العراق ساحة للاقتتال والتناحر أو التهدئة وفق السياقات التجريبية.

ويبدو الليبراليون أكثر المستفيدين من الوضع الجديد، من حيث التوجه السياسي العام، واستثمار الفشل الذريع، والاعتراف بهذا الفشل، للقوى الدينية والطائفية التي أدارت خراب البلاد طوال الأعوام الماضية.