دخلت الأزمة التونسية عنق الزجاجة بانتهاء المهلة التي منحتها المعارضة للحكومة للاستقالة دون التوصل إلى اتفاق يحول دون تكرار السيناريو المصري، حيث توعدت المعارضة بتصعيد احتجاجاتها حتى إسقاط الحكومة، في وقت عمق الحوار حالة الخلاف وسط تخوفات من استغلال تنظيم أنصار الشريعة الأزمة السياسية لمباشرة اغتيالات قد تؤدي انزلاق هذا البلد إلى وضع لا يحمد عقباه.

تونس اليوم في أزمة تراكمت أسبابها منذ غداة انتخابات 23 أكتوبر 2011 حين انطلقت المشاورات على أساس المحاصصات الحزبية ومنطق الرابحين والخاسرين والكل عموما يتجاهل أن مصلحة الوطن تكمن في تسريع المسار الانتقالي والخروج في أقرب الآجال من هذا الوضع.

تراشق التهم

ننظر اليوم إلى المشهد السياسي في تونس فنرى أننا فعلاً إزاء أزمة ثقة وتمثيلية. فالسياسيون كافة يرفضون الاعتراف بالفشل والكل يتراشق التهم ويحمل خصمه مسؤولية عجزه في عزلة تامة عن الشارع التونسي الذي أصبح منقسماً إلى شقين، شق رافض للجميع وشق منصرف تماما عن السياسة ومقتنع بأنها حكر على أهلها يوزعون بينهم الكراسي في صراع لا يبقى فيه إلا الأقوى.

ومنذ اغتيال المعارض محمد البراهمي وتركيز المطالب على حل الحكومة والمجلس الوطني التأسيسي وتكوين جبهة الإنقاذ وانطلاق اعتصام باردو وتواتر التظاهرات الداعية إلى إسقاط النظام وتلك الداعمة للشرعية، لم يقترح أي طرف سياسي خريطة طريق واضحة الآليات.

فبالرجوع إلى المقترحات نرى أنها جميعها تذكر المراحل المنشودة دون أن تفصل كيفية تحقيق تلك المراحل. فيما تبقى الحكومة عاجزة عن تقديم التنازلات للشارع بعد فشلها في تسيير البلاد، وها هي تونس اليوم في مواجهة الإرهاب والأدلة تشير إلى تعكر الأزمة لا انفراجها.

مماطلة مستمرة

ويبدو أن قبول الحكومة بحل نفسها بعد شهرين هو نوع من المماطلة وكسب الوقت وإدخال تونس في نفق مظلم خاصة بعد فشل اجتماع المنظمات الراعية للحوار الوطني بوفد الترويكا في الوصول الى نتائج ملموسة للخروج من الأزمة المتفاقمة في البلاد.

واعتبر مراقبون أن ما يحدث في تونس اليوم ينذر بمستقل مجهول بالرغم من أن المنظمات الراعية للحوار أعلنت أنها ستجتمع من جديد للبحث في مستجدات الوضع التفاوضي على ضوء ما وصل إليه آخر جلسات الحوار خاصة في ظل انتهاء المهلة التي منحها نواب لجنة المفاوضات لرئيس المجلس التأسيسي مصطفى بن جعفر، بعد أن طالبوه في بيان لهم بضرورة عقد جلسة عامة..

وإلا سيقع تطبيق الفصل 26 من القانون واعتبار منصبه في حالة شغور تزامناً مع تصعيد النواب غير المنسحبين من المجلس التأسيسي لهجتهم وفي مقدمتهم نواب كتلة النهضة لدفع رئيس المجلس مصطفى بن جعفر لإنهاء تعليق أشغال المجلس.

ومع تقدم خطوات الحوار الوطني يرى مراقبون انه من الضروري تحديد موعد لترجمة الحوار الوطني على أرض الواقع، معتبرين أنه من الضروري أن تتنازل اما المعارضة على مطلب استقالة الحكومة كشرط لتفعيل الحوار أو أن تعلن الحكومة استقالتها ليتم الشروع في التفاوض حول شخصية مستقلة تترأس الحكومة والخروج بتونس إلى بر الآمان.

على صعيد آخر، لا يزال الوضع الأمني متدهوراً، حيث تتواصل العمليات الأمنية والعسكرية ضد المجموعات المسلحة، حيث فَككت الوحدات الأمنية عدة خلايا للمسلحين وأوقفت عدداً من المطلوبين.

حلول معقولة

 نقلت المكلفة بالإعلام في حركة نداء تونس أمس على لسان رئيس الحركة الباجي قايد السبسي أنه قال إن «الوطن قبل الأحزاب» وأنه لابد من أن تكون هناك «حلول معقولة» للخروج من الأزمة السياسية القائمة.

واعتبر السبسي أن الأزمة القائمة والتي تكاد تطيح وتعصف بالمسار الإصلاحي الثوري هي أزمة سياسية بالأساس وأنها من «صنع» قيادات حزبية ونقابية في الحكم والمعارضة ولم تعد تفرّق على ما يبدو في «الأولويات» الوطنية.