على الرغم من عدم إرسال الولايات المتحدة إشارات صريحة توحي باستهداف المتطرفين في سوريا ضمن نطاق الضربة العسكرية المتوقعة ضد نظام بشار الأسد، وتقليل وزير الخارجية الأميركي جون كيري من شأن مخاطر تنظيم القاعدة لدى إدلائه بتصريحات أمام أعضاء الكونغرس، إلا أنه ثمة قناعة راسخة لدى المتشددين بأنهم سيكونون في مرمى الضربات الأميركية عاجلاً أم آجلاً.

وهذه القناعة التي خرجت للعلن من قبل التيار السلفي الأردني القريب من المتطرفين في سوريا، حيث حذر هذا التيار بضرورة ذوبان العناصر الجهادية مع المدنيين تحسباً لأي ضربات محتملة ضد معاقلهم العسكرية وأماكن وجودهم الدعوي، وهو ما ترجم فعلياً على الأرض بحسب النشطاء من مختلف المدن والبلدات الشمالية الشرقية خلال الأيام الأخيرة.

إخلاء للمواقع

ففي ريف الرقة وتحديداً في منطقة تل أبيض الحدودية مع التركية، تقوم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام بإخلاء مواقعها العسكرية المعروفة خلسة من دون إحداث ضجة كبيرة تصاحب ذاك الفعل.

وبحسب أحد الناشطين الذي رفض الكشف عن هويته بأن الدولة كانت تتموقع في مركز البلدية الواقعة بين منطقتي عين عيسى وتل أبيض، حيث أخلت مقراتها ليلاً واستقرت في بعض منازل المدنيين عنوة، والتي تعود ملكيتها إلى أناس محليين، مشيراً إلى أن «السكان لا يملكون مقدرة على صدهم، فهؤلاء ومنذ بدء الحديث الغربي بالضربة يقومون بتغير مناطقهم ومواقعهم، حيث تركوا معظم أماكنهم الرئيسية داخل البلدات الريفية في تل أبيض وتوجهوا لاحتلال مواقعهم وسط السكان المدنيين في القرى المنزوية، حتى ظن الأهالي أنهم تركوا مواقعهم العسكرية تحت ضربات القوات الكردية». مستطرداً: «تم التأكيد في ما بعد أنهم يحاولون الاختباء والتواري عن الأنظار بالتوازي مع الضربة العسكرية المحتملة».

في حين، تشهد مدينة الرقة المعقل الرئيسي للجهاديين حركة غير معتادة بحسب ما يقول الأهالي، حيث هناك جهود حثيثة تقوم بها الدولة الإسلامية بغية تبديل المواقع وتغييرها ومن ثم التوجه صوب الأرياف، وبحسب أبو يمان وهو ناشط قريب من تحركات الدولة الإسلامية في الرقة فإن «غالبية الأبنية والمنازل التي تم الاستيلاء عليها من مخابرات النظام ومن ثم استقر فيها عناصر الدولة يجري إخلاؤها منذ عدة أيام بسبب تأكيدهم أن الضربة الثانية بعد استهداف النظام سيتم توجيهها ضد الفصائل الجهادية».

ويرجح أبو يمان بأن الغرب سيستهدف النظام ومن ثم يتوقف لفترة قصيرة، ويعاود الضرب مجدداً. لكن هذه المرة سيتم نسف المواقع الجهادية بحجة أن المعلومات المخابراتية تشير إلى ذلك على حد قوله.

ويبدو أن التجربة العراقية وما خلفتها من تداعيات العمل العسكري لقوات حلف شمال الأطلسي «الناتو» ضد الجهاديين غدت بمثابة عبرة للجهاديين السوريين، فغالبية الفصائل الجهادية تشير إلى أن سقوط الأسد ليس الركيزة الأساسية وراء استهداف الضربة المحتملة، ويبررون ذلك بأن واشنطن لو أرادت تغير النظام لفعلت منذ الأشهر الأولى.

وبالتالي تشمل الضربة معظم الفصائل الجهادية التي تصنفها واشنطن ضمن خانة «الإرهاب».

وقد لا تنفع الإجراءات التي يتبعها الجهاديون بغية التمويه على الضربات المحتملة شيئاً، فهم يسيطرون على معظم البلدات الحدودية الشمالية المكشوفة للضربات الأطلسية، فضلاً عن وجود شبكة معلومات محلية تنقل كامل التحركات الجهادية إلى الجهات الخارجية عن طريق السكان المحليين الذين هم على تنافر مع التنظيمات الجهادية.

كما تشير التقديرات أخيراً إلى أن التنظيمات الجهادية مخترقة من قبل المخابرات الدولية. فقد نشر موقع «مفكرة الإسلام» يوم أمس، خبراً يفيد بقيام جبهة النصرة بإعدام عشرة تونسيين بعد ثبوت تعاملهم مع المخابرات الأميركية، وقيامهم بدس شرائح التجسس.

وبحسب موقع «مفكرة الإسلام» الذي ينشر أخبار الجهاديين في العالم، فهؤلاء التونسيون العشرة ينتمون إلى تنظيم «الصحوات» الذين تم إعدادهم بالأردن، ودخلوا سوريا. تزامناً مع انشقاق كتيبة المهاجرين عن الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام، توحي هذه الوقائع بأنه ثمة تحضيرات غربية تجهز في سبيل ضرب المتطرفين.

 

تأخر مقصود

 

يرى أبو ناصر وهو ناشط إعلامي في حلب، أن تأخير الضربة العسكرية الغربية على النظام السوري هو من أجل أن تشمل الكتائب المجاهدة وذات الفكر المتطرف، حسب الرؤية الأميركية. وأضاف: توجهت غالبية الفصائل الجهادية صوب معركة الساحل، ومن بقي في مقراتهم هم عبارة عن حراس، ربما وعورة جغرافية الساحل تجعلهم بمنأى عن الضربات الأميركية ــ الفرنسية المحتملة.