يترافق مع الضربة العسكرية الأميركية الفرنسية المتوقعة في غضون الأيام المقبلة انقسام حاد بين فرقاء المعارضة السورية حيال نجاعة الضربة العسكرية من عدمها. ويتأرجح معه ميزان تفاعل الشارع السوري بين من يمنّي النفس بإقدام الولايات المتحدة على توجيه الضربة بدون تسويف وبين من يرتاب من تداعيات العملية المحتملة كلما اقترب موعد ساعة الصفر.

هذا الانقسام يتجذر بوضوح في سياق الأحاديث اليومية المتداولة بين الناس، وعبر مواقع التواصل الاجتماعي ويجد صداه في سلسلة التصريحات الصادرة من الجهات المعارضة المتباينة، حيث يرى الفريق الأول في التدخل الأميركي- الفرنسي ضرورة إنسانية ملحة في المقام الأول، ولا يكاد ينفك في اعتبار الضربة المحتملة بمثابة طوق النجاة لسوريا كياناً ومجتمعاً، مستنداً في نظرته هذا إلى بنية النظام القمعي وخياراته العسكرية العنفية المفتوحة ضد المجتمع منذ اندلاع الثورة إلى غاية استخدام السلاح الكيماوي في الغوطتين، بحيث يبدو الوفاق معه على القاعدة الوطنية ضرباً من الخيال.

 ولعل أصدق توصيف لهذا الفريق يتجلى فيما يؤكد الكاتب السوري المعارض ياسين حاج صالح على صفحته في «فيسبوك»: «سأكون سعيداً إذا جرى تحطيم الطيران الأسدي ومخزون النظام من الأسلحة الكيماوية ومن صواريخ سكود كائناً من يكون الفاعل».

دماء وذرائع

هذا الفريق، بحسب المراقبين، ينفر من تسويق الذرائع والمسلمات الوطنية الواهية طالما أن الدماء سالت حتى الركب على يد النظام الاستبدادي المحلي. فهو يحيل بدون تردد مسؤولية المجازر المنتهكة على الأرض بما فيه استخدام السلاح الكيماوي إلى سلطة بشار الأسد وحلفائه، ويصرح علناً أن البكاء والعويل على الدولة والوطن والمجتمع قبيل الضربة المحتملة «ما هي إلا نكران حقيقة الخراب والدمار الممنهج والممارس يومياً على يد نظام الأسد».

وتشير الكاتبة سماحة هدايا في هذا السياق: «ما الذي بقي من سوريا حتى يخاف عليه المتباكون والخائفون من الضربة الأميركية؟ لعلهم خائفون على مصالح مناصري الأسد حتى لا ينالهم شيء بسيط، فهؤلاء في العلن يقولون وطنية وفي السر يمارسون لعبة المصالح الفردية والفئوية والتدميرية»، مضيفة: «أنا ضد أي غزو أو عدوان على بلادي وشعبي، لكنني لا أرفض من يخلص شعبي البريء من مجرم سفاح يمارس القتل بجنون ووحشية»، على حد وصفها.

لكن يخشى هذا الفريق ألا تحقق الضربة أهدافها المرجوة، حيث كشف رئيس المجلس الوطني السابق برهان غليون في أحد تصريحاته الإعلامية عن هذه الهواجس، حين قال: «نأمل أن تكون الضربة العسكرية المحتملة رادعة، لكن إذا لم يُقصم ظهر نظام الأسد ونجح الأخير في الاستفادة من هذه الضربة العسكرية المحدودة بالخروج منها سليماً، لا شكّ أنّه سينتقم من الشعب السوري ويتحدّى النظام الدولي وسيستمر في قتل أكبر عدد من السوريين».

الفريق الثاني

ويبني الفريق الثاني منطقه السياسي بناء على مخلفات التجربة العراقية بعد الغزو الأميركي، ويأخذ من معيار السيادة الوطنية والحفاظ على البنية التحتية للدولة وعدم المساس بتركيبة المكونات الاجتماعية المفخخة أساساً له.

ويبرر هذا الفريق موقفه بأن الضربة المتوقعة «ستكون تأديبية ولن تحسم الصراع»، على حد ما يذهب إليه المعارض منذر خدام، الذي يقول إنها «ستستهدف سوريا دولة وشعباً». ويردف: «الأولوية الأميركية لا تكمن في إسقاط النظام بل في ضرب الحركات الإرهابية المتطرفة على المدى المتوسط. وهي تدرك أن الوسيلة الوحيدة هي قوات النظام، وليس الجيش الحر، لكن في الوقت ذاته تريد إضعافه استراتيجياً وهذا ما حصل ويحصل من خلال استمرار القتل والتدمير في سوريا».

وبحسب هذا الفريق، فإن الرؤية الأميركية «تتجسد بضرورة تحول الصراع إلى حرب استنزاف داخلية طويلة يجري عبرها تحضير مسرح الأحداث من أجل إحداث تغييرات جوهرية في موازين قوى الصراع وتحول القوى غير الرئيسية إلى أساسية وإضعاف قوى أكثر فاعلية، بحيث يتم تدعيم القوى الأكثر ارتباطاً بالمشروع الغربي على حساب القوى المتباينة مع هذا المشروع، سواءً كان هذا التباين على يمين المشروع أو على يساره».

ويشير أيضاً إلى سعي واشنطن إلى «استخدام القوى المتصارعة المعارضة في مواجهة بعضها لإنهاكها جميعاً، مما يفسح المجال أمام تقدم القوى المؤيدة للمشروع في النهاية». وعليه، بحسب هذا الفريق، فإن من يطالب بالضربة الأميركية «مخطئ، بحيث يغدو الاستقواء بالتدخل الخارجي أشد خطراً وتأثيراً من الخصم الداخلي».

الجوار

 

يقول المنسق العام لهيئة التنسيق الوطنية حسن عبد العظيم، إن التدخل العسكري «سيزيد من الفوضى التي ستشجع كل من الجماعات المسلحة على السيطرة على منطقة أو محافظة معينة وتطبيق رؤاها ومشروعها الخاص، وهذا يشكل تهديداً بتقسيم سوريا، وبدوره يشكل خطراً على العراق ولبنان والأردن، وحتى دول الجوار الإقليمي». البيان