كان من اللافت تصريح الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل حسين العباسي الذي دعا خلال لقائه وزيرة الخارجية الإيطالية إيما بونينو الى ضرورة احترام السيادة الوطنية لبلاده، في إشارة منه إلى التدخل الخارجي الذي بات جزءا من الحراك السياسي اليومي في تونس، حيث يسعى السفراء والمبعوثون الغربيون الى الضغط على قوى المعارضة ودفعها الى تقديم تنازلات لحركة النهضة وحكومة الترويكا.

وكانت بونينو أكدت بعد لقائها رئيس الحكومة علي العريض حرص روما على نجاح تجربة الانتقال الديمقراطي التونسية وعزمها مواصلة جهودها، سواء على الصعيد الثنائي أو داخل الاتحاد الأوروبي، مبرزة أن الوضع في تونس مختلف عما تصوره وسائل الإعلام وما يوحي به الوضع الإقليمي المتوتر، كما تناولت خلال لقائها الرئيس المنصف المرزوقي موقف بلادها والاتحاد الأوروبي من الأزمة السياسية في تونس، ودعت الى إيجاد صيغة توافقية بين الفرقاء السياسيين.

تحركات متواصلة

ويرى المراقبون أن زيارة بونينو جاءت لتواصل تحركات نظيرها الألماني غيدو فيسترفيله الذي كانت له زيارة لتونس في شهر أغسطس الماضي، كما قام السفير الإيطالي بعقد لقاءات مع قوى المعارضة الرئيسية في البلاد خلال الأسبوع الماضي للاستماع الى جميع المواقف المطروحة من أجل تجاوز الأزمة.

ويواصل سفيرا الولايات المتحدة وفرنسا عقد لقاءات مع الفرقاء السياسيين، كما انضم إليهم السفير الروسي في جس نبض الواقع السياسي في البلاد. ولوحظ الأسبوع الماضي أول اجتماع بين السفير الأميركي وحمّة الهمامي زعيم اليسار التونسي الأبرز والقيادي في جبهة الإنقاذ، بينما عقد رئيس «النهضة» راشد الغنوشي لقاء سرياً السبت الماضي في أحد مطاعم ضاحية قمرت مع ممثل الاتحاد الأوروبي بحضور رجل الأعمال والمنتج السينمائي التونسي العالمي طارق بن عمار المعروف بعلاقاته القوية بعناصر التأثير السياسي والإعلامي في الغرب.

القرار الغربي

وبحسب مصادر مطلعة، فإن العواصم الغربية تسعى الى حل المشاكل الحالية في الساحة التونسية بالتوافق بين جميع الأطراف، وخاصة بين حركة النهضة وحركة نداء تونس، والى غلق المنافذ أمام أي مواجهات في الشارع قد تؤدي الى الفوضى والى إفشال النموذج التونسي الذي لا يزال الغرب ينظر إليه كأنجح نموذج في دول «الربيع العربي». كما يعمل على ضمان توفير الأجواء الملائمة لتقاسم السلطة بين حلفائه في البلاد من الإسلاميين والعلمانيين.

كما يرى الغرب أن حالة الفشل السياسي في تونس ستؤدي الى جعل البلاد غنيمة بين براثن قوى التطرف الديني، وهو سيمثّل خطرا على الدول المجاورة وعلى الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط، إضافة الى أن الدول الأوروبية لا تزال تعتبر تونس مثالاً للتجربة المجتمعية في المنطقة، وليس لها استعداد للتخلي عنها، في حين تنظر واشنطن الى تونس باعتبارها الساحة الأفضل لإنجاح تجربة التزاوج بين الإسلام السياسي والديمقراطية. تخوف يساري

تتصاعد حالة من الخوف لدى المعارضة اليسارية من أن يكون أي مشروع توافقي مطروح على حسابها، فالغرب لا يطمئن لمن يدعو الى طرح اقتصادي مختلف عن الليبيرالية المجحفة، ولا الى من يدافع عن استقلالية القرار الوطني على غرار ما بدأت تشهد مصر بعد ثورة 30 يونيو، وهو (أي الغرب) يرى أن أفضل من يخدمون مصالحه في تونس هم حركة النهضة، ذات المرجعية الإخوانية، والسائرون على خطى الدولة التونسية الحديثة خلال عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي. البيان