تثير إدارة أوباما مرة أخرى البلبلة بتراجعها عن ما بدا أنها مقتنعة وعازمة على القيام به. بين الجمعة والسبت وفي أقل من 24 ساعة، شهد تعاطيها مع الكيماوي السوري؛ شبه انقلاب. أو على الأقل «تكويعة» بدرجة زادت من تشويش الصورة حول حقيقة موقفها. كما زادت من الارتياب بمصداقيتها، في صفوف صنّاع الرأي والقرار في واشنطن.
وضعها المفاجئ للملف على رفّ الانتظار بحجة التشاور مع الكونغرس الذي لا يعود إلى واشنطن قبل 9 الجاري والرئيس لم يطلب انعقاده لأسباب طارئة قبل هذا الوقت لكسب دعمه، لم يقوَ أركان الإدارة على تسويقه.
التساؤلات وعلامات الاستفهام ازدادت وتعمّقت وليس العكس. الوزير جون كيري الذي ظهر في برامج يوم الأحد الرئيسية والأكثر مشاهدة، على شبكات التلفزيون الخمس الكبرى؛ لم يفلح في تجريع القفزة غير المتوقعة، من التسخين العازم، إلى التبريد «المتروّي» المفتوح.
لسان حال الإدارة يشدّد على أن التأجيل من أجل كسب دعم الكونغرس لقرار الرئيس، هو عين الصواب من الناحيتين الدستورية والسياسية. وأن الرئيس قد أخذ قرار المعاقبة ويريد تحصينه.
صحيح. لكن هناك نقطتان تعذّر على الإدارة الردّ عليهما بطريقة مقنعة: الأولى، أنها تصرفت طيلة الأسبوع بطريقة أوحت بوضوح بأن الرئيس قرّر الاكتفاء بالتشاور مع قيادات الكونغرس من باب إبلاغها، لأن الدستور يمنحه حق القيام بعمل عسكري محدود لمدة 30 يوماً قابلة للتجديد مرة واحدة، قبل أن يعود إلى الكونغرس المنوط به دستورياً إعلان الحرب.
وهناك سوابق كثيرة: قصف الخرطوم وأفغانستان عام 1998 أيام الرئيس كلينتون. كما هناك حالة كوسوفو التي حصلت حتى بدون قرار دولي. لكن البيت الأبيض قرّر فجأة صرف النظر عن هذا الخيار والعودة إلى الكونغرس لأخذ موافقته المسبقة، بعدما كاد أن يضع قراره موضع التنفيذ.
الخط الأحمر
أما النقطة الثانية، وتتعلق بما سيكون عليه موقف الإدارة لو عزف الكونغرس عن منح الرئيس التأييد الذي ينشده. الجواب هنا ضبابي وهروبي. هي تقول (الإدارة) بأنها تتوقع التفهم من جانب الكونغرس. لكنها لا تتحدث عن التزامها بالمضي في العملية، لو حرمها هذا الأخير تأييده. وكأنها تترك الباب مفتوحاً، إما لتسويغ ابتلاع اللسان وإما من باب المراهنة على تقرير من فريق التفتيش للأمم المتحدة يعزّز «خطها الأحمر» وربما على تحوّل جديد في موقف مجلس العموم البريطاني يصبّ في هذا المجرى.
ضربة محدودة
لكن في الحالتين، الضرر وقع بالنسبة للرئيس. «فهذه حالة من النوع الذي يتطلب قراراً في لحظته والتصرف بدون بطء على أساسه» يقول فالي نصر عميد كلية الدراسات الدولية في جامعة جون هوبكنز، فرع واشنطن.
وعدم التصرف أو بالأحرى الانكفاء عنه طرح أسئلة كثيرة بقيت من غير جواب: لماذا العودة الآن إلى الكونغرس وبما بدا وكأنه إحالة الموضوع عليه؟ هل لرمي كرة قرار الضربة في ملعبه؟ هل الرئيس يلعب سياسة محلية في ممارسة السياسة الخارجية على ضوء حسابات الأولى؟ هل لأن الإدارة أدركت في اللحظة الأخيرة أن خيار «الضربة المحدودة» معطوب في الأساس لأنه يفتقد لخطة متكاملة تتعامل مع ما بعد الضربة والإدارة لا تنوي الذهاب لوحدها في هذه الطريق وبالتالي رأت أنه من الأنسب إشراك الجمهوريين في قرار عسكري حتى لا يقال إن الرئيس أقدم عليه وحده وبما يخالف تعهداته؟ ثم كيف يستقيم تغريم النظام بما يشبه عقاب الجنحة ضربة محدودة في حين إن الإدارة تزعم بأنه ارتكب جريمة؟ أو: هل عادت الإدارة إلى الكونغرس لتطلب صلاحيات أكثر من عملية محدودة، كما ألمح أحد نواب الكونغرس.
طوفان من الأسئلة أثارتها الصحوة على التشاور مع الكونغرس.
ارتباك مزمن
تلعثم الإدارة في تسويغ التراجع، كشف عن ارتباك مزمن طالما حكم سياستها الخارجية عموماً والشرق أوسطية خصوصاً. وهذا موضع انتقاد من أكثر من طرف في واشنطن.
«في ليبيا مارست إدارة أوباما القيادة من الخلف واليوم تتخلى عن القيادة للكونغرس»، حسب ما رأى مصدر في مجلس العلاقات الخارجية المرموق في أميركا. تذبذب تعاملها مع الكيماوي نابع من تذبذب مقاربتها الأصلية للأزمة السورية. ولذلك تفاقمت ورطتها.