أعاد التاريخ نفسه في الجزائر من خلال الظروف التي أحاطت بتعيين أمين عام جديد لحزب جبهة التحرير الحاكم. فعلى الرغم من الحكم الصادر عن مجلس الدولة، وهو أعلى درجة للقضاء الإداري، والقاضي ببطلان الترخيص بعقد اجتماع اللجنة المركزية للحزب الحاكم بأحد فنادق العاصمة الجزائر، إلا أن الإرادة التي وقفت وراء الدفع بعمار سعيداني وتعيينه في منصب الأمانة العامة كانت أقوى.

ويرى مراقبون أن تعيين سعيداني على رأس الحزب الحاكم في الجزائر من شأنه أن يوقف جماح الطامحين للوصول إلى كرسي الرئاسة أمثال رئيس الوزراء السابق أحمد أويحى، خاصة وأن سعيداني معروف بولائه التام للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة. والأهم من كل ذلك، أنه سبق له التعبير عن موقفه من الترشح المحتمل لأحمد أويحي لمنصب الرئاسة، بقوله إنه لن يسمح بذلك مادام قيادياً في جبهة التحرير، فكيف وهو اليوم الرجل الأول في أقوى تشكيل سياسي في البلاد، فضلا عن قدرات التجنيد الجبارة المتوفرة للحزب في أوساط المجتمع وفي أوساط جميع الفئات من عمال إلى طلبة وفلاحين ونساء وتنظيمات المجتمع المدني والعائلة الثورية؟.

أما بالنسبة لأبناء الحزب أو المحسوبين عليه، فقد يبرز الدور الحقيقي المطلوب من سعيداني القيام به وهو قطع الطريق بكل السبل أمام طموح رئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس الذي يريد إعلان ترشحه إلى سباق الرئاسة المقبل بدعم من التيار الليبرالي وبعض قياديي جبهة التحرير ممن احتفظوا بولائهم له. وقد يقف سعيداني كذلك في وجه طموح الأمين العام لجبهة التحرير السابق عبدالعزيز بلخادم، وما يعني أنه قد يكون الشخص المناسب لتحييد الخصوم الذين يمكنهم تشكيل بعض الحرج لمن وقع عليه الاختيار لحكم البلاد بعد بوتفليقة.

غير أن الوضع الصحي للرئيس الجزائري عزز من التساؤل بشأن من سيخلفه في حال تحييد بلخادم وأويحى وبن فليس، وهم من المحسوبين على التيار الوطني والتيار الليبرالي، خاصة بعد القضاء التام على حلم التيار الإسلامي في الترشح بعد الضربة الموجعة التي تلقاها الاخوان في مصر.