بعد بيان وزير الخارجية الأميركي جون كيري أول من أمس، والثاني خلال أسبوع، وما أدلى به الرئيس باراك أوباما بعد ساعتين حول قضية الكيماوي السوري؛ ما عادت الضربة العسكرية الأميركية ضد منشآت حربية سورية مسألة تخمين وترجيح، بل صارت متى؟. وحده التوقيت مدار تكهنات. هل تحصل قبل مغادرته الأسبوع الجاري إلى روسيا للمشاركة في قمة العشرين، أم بعدها؟. مساحة الوقت بعد عودة المفتشين السبت وبين بدء زيارته، ضيقة.

لكن كافية. أربعة أيام. مع ذلك الأرجح في تقدير المراقبين، أن تكون العملية بعد القمة. علّ هذه الأخيرة تنتج مخرجاً تتردّد سيرته في واشنطن: اقناع النظام السوري بتسليم مخزونه من السلاح الكيماوي.

ولو أن هذا الاحتمال أقرب إلى حلم اليقظة، بتقدير خبراء في الشأن السوري. لكن الإدارة ترغب في شراء الوقت. وربما يكون إعرابها اليوم عن عزمها على المضي بالضربة حتى بدون حليفتها التقليدية بريطانيا، تعمّدت توقيته، بحيث يكون رسالة ضاغطة تسبق القمة وتضعها في جوّ ما لا رجوع عنه.

حروب بوش

على الرغم من اللهجة الحاسمة للإدارة، فإن أوباما ذاهب إلى حيث لا يريد. تردّده منذ بداية الأزمة السورية يعكس عدم رغبته في هذا الخيار. ثم إن شبح العراق ما زال يحوم في فضاء القرار الأميركي.

وزاد من الحذر أن قابلية الكونغرس ضعيفة لعمل عسكري. ناهيك عن المعارضة الكاسحة في صفوف الرأي العام المكتوي بحروب جورج بوش؛ ولو أن الإدارة تؤكد إلى حدود الجزم، بأن الأدلة دامغة على استخدام الكيماوي الذي تسبب بمقتل 1492 من المدنيين، بحسب كيري. وزاد من الارتياب أن مجلس العموم البريطاني رفض مشاركة بلاده بالعملية.

3 عصافير

لكن على الرغم من كل ذلك، يبقى أن الاعتبارات الجيوسياسية تفرض نفسها بالنهاية في حسابات واشنطن. الكيماوي أعطى فرصة، رأى فريق في الإدارة على رأسه مستشارة الرئيس لشؤون الأمن القومي سوزان رايس؛ أنها جاءت في وقتها لضرب أكثر من عصفور بحجر العملية العسكرية. من جهة، تخرج البيت الأبيض من مقعد التفرّج من عقدة الخط الأحمر الذي اثار انتقادات واسعة بحق أوباما.

ومن جهة ثانية، تبعث الضربة برسائل في عدة اتجاهات، وبالذات إلى إيران عشية العودة المرتقبة إلى التفاوض حول النووي. وكذلك إلى روسيا، التي يرى الأميركيون أن موسكو بوتين باتت تتعامل مع واشنطن من موقع استضعافها.

وقد تجلى مؤخراً في منح اللجوء إلى كاشف الأسرار الأمنية الأميركية ادوارد سنودن ورفض الاستجابة إلى مطالبات واشنطن بتسليمه لها كمواطن أميركي. ثم من جهة ثالثة، تكون الضربة تحريكية بقدر ما تكون تأديبية، بحيث تحمل النظام السوري على الجلوس إلى الطاولة للبحث في حلّ سياسي.

وهذه نقطة عاد وكررها كيري. لكن هذه الحيثية أقرب إلى الوهم. إذ إن «جنيف 2» مات بتقادم الزمن وصار بذمة التاريخ، على حدّ تعبير أحد المعلقين. بل وفق السائد في صفوف المحللين. وبالتالي، هو حيثية للاستهلاك لا أكثر، وواشنطن تدرك ذلك.

طريقة أوباما

للتوفيق بين الحذر من الانجرار إلى ورطة جديدة وبين الاستجابة لهذه الاعتبارات، طلعت الإدارة بصيغة «الضربة المحدودة»، على طريقة أوباما النصفية. وغالباً ستكون نسخة صاروخية عن عملية قصف السودان وأفغانستان أيام الرئيس كلينتون العام 1998.

مع الفارق أن هذه المرة قد تكون الضربة أوسع ومكثفة أكثر. وأثار ذلك جدلاً بين المؤيدين لمثل هذه العملية العقابية وبين المحذرين من عواقبها، إن هي اقتصرت على هذه الحدود؛ بدلاً من أن تستهدف «إسقاط النظام»، بحسب ما ردّدت أصوات عديدة من المحافظين.

كيفما جاءت الضربة المرتقبة، فهي في أساسها أبعد من الكيماوي. ثم هي لا تضمن منع استخدام هذا السلاح مرة أخرى. وكأنها في أحسن الحالات تقول للنظام ولبعض المعارضة: استمروا في القتل والتذابح لكن بدون كيماوي. والأنكى، أن سوريا مصرّة على مواصلة رحلتها الانتحارية بالكيماوي أو بدونه.