عاد مسلسل الاغتيالات مجدداً إلى ليبيا، بمقتل المدعي العسكري العام للمنطقة الشرقية في ليبيا، العقيد يوسف علي الأصيفر مع شقيقه، ليحيي المخاوف من فوضى انتشار السلاح في ليبيا، خشية استخدام هذا السلاح في النزاعات الشخصية، أو لتصفية حسابات خاصة في معزل عن القانون والإطار العام للدولة، في ظل ضعف الدولة الليبية بعد الثورة في السيطرة على حالة الانفلات الأمني، وعمليات تهريب السلاح عبر الحدود.

الحق أن الاغتيالات والتفجيرات التي ارتفعت وتيرتها مؤخراً في الشارع الليبي، مع الاستهداف المباشر لمدينة بنغازي، ليست وليدة اليوم، فقد بدأت إرهاصاتها منذ أيام ثورة 17 فبراير، باغتيال اللواء عبد الفتاح يونس، وساعد على استمرارها حالة الفراغ التي نشأت بعد سقوط القذافي، والفراغ، كما هو معروف في الطبيعة، يستدعي الامتلاء.

في ظل هذه الأوضاع المزرية من الاغتيالات لم يألفها الشعب الليبي، والتي جاءت نتيجة أجندة خارجية بسطت نفوذها، وألقت الرعب والخوف من المستقبل في قلب المواطن العادي، الذي يأمل أن تحقق ثورة 17 فبراير أمانية وأحلامه في العيش في استقرار.

تواطؤ مع الخارج

في غضون ذلك، ثمة مسألتان من المهم الإشارة إليهما في هذا الصدد، الأولى، أن هناك رغبة أكيدة في استمرار حالة الفراغ هذه من قبل قوى محلية متواطئة مع قوى خارجية، تستهدف فرض أجندتها السياسية، والثانية، أن حالة الفراغ لاقت هوى لدى سياسيين في الحكومة والمؤتمر الوطني وخارجهما، ساعدوا على استمرارها، كونهم يحققون مكاسب خاصة كبيرة لهم منها. أما المسألة الجديرة بالملاحظة، فهي أن أياً من مرتكبي هذا الاغتيالات والتفجيرات لم يجر إيقافه، ولم يُصر إلى تقديمه للمحاكمة، ما يفيد بأن ثمة ليس تقصيراً أمنياً فحسب، وإنما تواطؤ وإهمال مخيفان.

وليس معروفاً بعد ملامح المستقبل الليبي، هل يتجه نحو الاستقرار أم التصعيد باستغلال كم الأسلحة الخارج عن سيطرة الدولة حتى اللحظة، فرغم توفر البلاد على مجلس تشريعي يتمثل في المؤتمر الوطني، ودستور جديد، إلا أن ليبيا لا تزال تعيش انهياراً أمنياً. لذلك، فإن المجلس الانتقالي وحكوماته التنفيذية، والمؤتمر الوطني والحكومة الحالية، يتحملون المسؤولية الأولى عن استمرار الخراب والافتقاد للأمن، واستمرار مسلسل اغتيال ليبيا على كل الصعد، فقد وضع هؤلاء الأساس لليبيا الجديدة، وهو أساس ضعيف.

بناء الدولة

عندما تنتقد الأوضاع السلبية وغياب الأمن والأمان في ليبيا بعد 17 فبراير، يرد عليك البعض بالقول، المهم أن القذافي مات، وليبيا بخير. مثل هذا الكلام قد يكون صحيحاً إلى حد كبير، إلا أنه لا يكفي لإعادة بناء الدولة الليبية.

قطعاً ليبيا اليوم ليست هي ليبيا الأمس، ولا يختلف اثنان على أن ليبيا بدون القذافي أفضل، ولكن ما يؤلم القلب ويضيق به الصدر، ما يجري هذه الأيام بطول البلاد وعرضها من تجاوزات، وأفعال خارجة على القانون، طال أذاها معظم الليبيين.. والأهم من ذلك أن الفرص التي تتمتع بها ليبيا والإمكانات المادية المهمة المتأتية من احتياطاتها الكبيرة من الغاز والنفط، قد تتأثر سلباً، ولا تتيح لليبيين الاستفادة منها في حال استمر الوضع الأمني المتدهور، وعجزت الدولة عن بسط سيطرتها وإخضاع المليشيات والسلاح.

«فائض السلاح»

تشهد ليبيا ما يمكن وصفه بـ «فائض السلاح»، بعد الإطاحة بنظام معمر القذافي عام 2011، حيث فُتحت مخازن السلاح أمام الشعب الليبي، ليحصل منها على ما يشاء من مختلف أنواع الأسلحة الخفيفة والأسلحة الثقيلة. وبحسب استخبارات غربية، فإن عدد الصواريخ التي اختفت من مستودعات السلاح الليبية، تقدر بنحو ثلاثة آلاف صاروخ في يونيو الماضي فقط. علماً بأن هذه الصواريخ بالغة الخطورة، وهو ما يثير المخاوف من خضوع السلاح لعناصر «القاعدة»، وقيامها بعمليات تفجيرية. البيان