تعرّضت الجهود البريطانية لتشريع توجيه ضربة للنظام السوري إلى انتكاسة قوية بعد رفض البرلمان البريطاني، بفارق 13 صوتاً، مذكرة تقدمت بها الحكومة للرد عسكرياً على استخدام دمشق أسلحة كيميائية، حيث بات رئيس الوزراء ديفيد كاميرون أول رئيس حكومة يخسر معركة اقتراع بشأن حرب منذ 1782، فيما بقيت فرنسا وحيدة على الضفة الشرقية للأطلسي للمشاركة في الحرب بعد حسم ألمانيا موقفها بالرفض.
وقال كاميرون إثر التصويت، إنه من الواضح أن البرلمان «لا يريد تدخلاً عسكرياً بريطانياً. أخذت علماً بهذا الأمر، والحكومة ستتصرف بناء عليه»، مؤكداً التزامه «احترام إرادة مجلس العموم». وسقطت المذكرة الحكومية بعدما صوت ضدها 285 نائباً مقابل 272 أيدوها. وتقدم حزب العمال المعارض بمذكرة مضادة، تنص على وجوب أن يسبق أي قرار بشأن التدخل عسكرياً في سوريا تقديم «أدلة مقنعة» على أن النظام السوري هو فعلاً من استخدم السلاح الكيميائي في 21 أغسطس الجاري في الغوطة بريف دمشق، إلا أن هذه المذكرة سقطت بدورها.
وتنص المذكرة الحكومية التي سقطت على إدانة «استخدام أسلحة كيميائية في سوريا في 21 أغسطس 2013 من قبل نظام الأسد» وأن «رداً إنسانياً قوياً مطلوب من جانب من المجتمع الدولي، بما في ذلك إذا اقتضت الحاجة تحركاً عسكرياً يكون شرعياً ومتكافئاً، وهدفه حماية أرواح بشرية، من خلال منع أي استخدام لأسلحة كيميائية في سوريا في المستقبل».
ونصت المذكرة أيضاً أنه «في حال تم إقرارها، فإن هذا لا يعني ضوءاً أخضر للبدء الفعلي بالتدخل العسكري، إذ لا بد من العودة مجدداً إلى مجلس العموم للحصول على موافقته على التدخل العسكري الفعلي بعد إعلان نتائج التحقيق الذي تجريه الأمم المتحدة حول الهجوم الكيميائي».
وقال معلقون، إن هذه هي المرة الأولى التي يخسر فيها رئيس للحكومة البريطانية اقتراعاً بشأن المشاركة في الحرب منذ عام 1782، عندما اعترف البرلمان آنذاك باستقلال أميركا فعلياً من خلال اقتراع عارض شن مزيد من المعارك لسحق التمرد.
مواقف وتساؤلات
من جهته، أقر وزير الدفاع البريطاني فيليب هاموند، بأن رئيس الوزراء أصيب بـ «خيبة أمل»، مؤكداً أن نتيجة التصويت «ستكون لها حتماً تداعيات على العلاقة المميزة» بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
كما قال إن لندن لن تشارك في أي عمل عسكري ضد سوريا، بعد أن خسرت الحكومة التصويت. وأبلغ هاموند برنامج «نيوز نايت» لتلفزيون هيئة الإذاعة البريطانية: «كنت آمل في أن تنجح حججنا، لكننا نتفهم أنه يوجد قدر هائل من الارتياب بشأن التورط في الشرق الأوسط». لكنه أضاف: «لا أتوقع أن عدم مشاركة بريطانيا سيوقف أي عمل».
ثبات فرنسا
في الأثناء، أعلن الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند في مقابلة نشرتها صحيفة «لوموند» أن موقف البرلمان البريطاني لن يؤثر في موقف فرنسا الداعي إلى تحرك «متناسب وحازم» ضد دمشق.
وقال هولاند، رداً على سؤال عن إمكانية التحرك ضد سوريا بدون بريطانيا، إن «كل بلد سيد قراره في المشاركة أو عدم المشاركة في عملية. هذا ينطبق على بريطانيا، كما على فرنسا». وأضاف: «سأجري محادثات معمقة مع (الرئيس الأميركي) باراك أوباما». وأكد هولاند أن «فرنسا تريد تحركاً متناسباً وحازماً ضد نظام دمشق». وأضاف أن «كل الخيارات مطروحة على الطاولة».
ورداً على سؤال عن هدف التدخل، قال هولاند إنه «لا يؤيد تدخلاً دولياً يهدف إلى تحرير سوريا أو إطاحة الديكتاتور».
وأضاف: «لكنني أعتقد أنه يجب وقف نظام يرتكب ضد شعبه ما لا يغتفر».
ولم يستبعد هولاند من جهة أخرى توجيه ضربات جوية إلى نظام دمشق قبل الأربعاء المقبل، اليوم الذي تعقد فيه الجمعية الوطنية الفرنسية اجتماعاً لمناقشة الموضوع السوري.
ألمانيا لن تشارك
في غضون ذلك، أعلن وزير الخارجية الألماني غيدو فسترفيله، في مقابلة صحافية، أن بلاده لن تشارك في عملية عسكرية في سوريا. وقال فسترفيلة في مقابلة تنشرها صحيفة «نوي اوسنابروكر تسايتونغ» المحلية اليوم: «لم يطلب منا» المشاركة في عملية عسكرية ضد نظام دمشق «ولا نفكر» مثل هذه المشاركة.
انتعاش روسي
في السياق، حذرت روسيا من أن تدخلاً عسكرياً في سوريا، سيوجه «ضربة خطيرة» للنظام العالمي القائم على الدور المركزي للأمم المتحدة، مشيدة برفض البرلمان البريطاني مثل هذه العملية.
وقال المستشار الدبلوماسي للكرملين يوري أوشاكوف للصحافيين، إن «مثل هذه التحركات التي تتجاوز مجلس الأمن، إذا جرت ستشكل مساساً خطيراً للنظام القائم على الدور المركزي للأمم المتحدة، وضربة خطيرة للنظام العالمي». ورحب برفض مجلس العموم البريطاني أي تدخل عسكري ضد سوريا، معتبراً أن «هذا يعكس رأي غالبية البريطانيين والأوروبيين».
كما نقلت وكالة «إيترتاس» عن نائب وزير الخارجية الروسي، غينادي غاتيلوف، قوله إن «روسيا ضد أي قرار في مجلس الأمن قد يتضمن خيار استعمال القوة». وأضاف: «في المرحلة الراهنة، يجب اتخاذ جميع الخطوات الضرورية للحيلولة دون تراجع الوضع أو أي استعمال للعنف ضد سوريا».
مجلس الأمن
في سياق المشاورات، عقدت الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي في نيويورك، مشاورات مغلقة جديدة حول سوريا، استمرت زهاء 45 دقيقة فقط، ولم تحقق تقدماً ظاهراً.
وجرى هذا الاجتماع بناء على طلب روسيا التي ترفض بشدة أي عمل عسكري ضد سوريا، بحسب دبلوماسيين. ولم يدل أي من سفراء الدول الخمس (الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا، الصين، روسيا) بأي تعليق. وأوضح دبلوماسي، طالباً عدم كشف اسمه، أنه «لم يحصل توافق في وجهات النظر» بين موسكو والبلدان الثلاثة (الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا) التي تتهيأ لعملية عسكرية محتملة. وأضاف أن «الروس عرضوا وجهة نظرهم التي لم تتغير»، ولم يتم تحديد أي موعد لاجتماع جديد.
موقف الصين
قال وزير الخارجية الصيني وانغ يي أمس، إنه ينبغي لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ألا يسارع إلى اتخاذ إجراء بشأن سوريا قبل أن ينتهي خبراء المنظمة الدولية من تحقيق في مزاعم عن استخدام أسلحة كيميائية. وفي تعليقات نشرتها وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا)، أبلغ وانغ، الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، أثناء محادثة هاتفية، أن الصين تدعم بشكل كامل تحقيقاً مستقلاً وموضوعياً لا يخضع لضغط أو تدخل خارجي. بكين- رويترز