حين خاض رئيس الوزراء التركي الحالي رجب طيب أردوغان غمار الحياة السياسية لأول مرة نهاية سبعينات القرن الماضي تحت ظل أستاذه نجم الدين أربكان الذي كان يومها زعيماً لحزب الخلاص الوطني، كانت الظروف الإقليمية والصراعات في المنطقة وفي الداخل التركي معاكسة تماماً لطموحاته في تنفيذ مشروعه السياسي، حيث جاء انقلاب الجنرال كنعان أفرين وبقاءه على رأس الدولة التركية إلى نهاية العام 1989 ليكون سداً أمام تلك الطموحات، وليأتي بعدها العام 1998 ويودع أردوغان السجن على خلفية اقتباس شعري في خطاب ألقاه أثناء ترشحه للانتخابات العامة.
خرج أردوغان بعد تجربة السجن البسيطة التي عاشها، وواصل رحلته السياسية ووصل إلى قمة الهرم في السلطة في 2003، وظهر مفهوم مغاير للسياسة التركية كان قائماً على الانفتاح على العالمين العربي والإسلامي والسعي بذات الوقت نحو المشروع الغربي عبر بوابة الاتحاد الأوروبي، حتى باتت «الأردوغانية» مصطلحاً يحظر الإشارة إليه بالسلب أو انتقاده في أغلب بقاع المنطقة، وبات الرجل «رمزاً» يشار له بالبنان بما سلط عليه من أضواء، واستمر الحال كذلك حتى لحظة الحقيقة والمكاشفة في موقفه تجاه ثورة 30 يونيو التي خاضها الشعب المصري ضد نظام الرئيس الإخواني المعزول محمد مرسي، فانقلبت الآية.
حكاية دافوس
كانت محطة «دافوس» أولى المحطات التي أبرزت صورة أردوغان كزعيم جديد في العالم الإسلامي، حيث نقلت الكاميرات لملايين المسلمين والعرب على وجه الأرض، مشاهد رئيس الوزراء التركي في يناير 2009 وهو «ينتفض» غضباً ضد الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز احتجاجاً على عدم منحه الفرصة للحديث خلال حوار سياسي تركز على عدوان غزة.
الفوضى العربية
تدخل أردوغان في الشأن العراقي طويلاً، بل أن المنظّر الأول للدولة التركية الحديثة وزير الخارجية أحمد داود أوغلو دخل العراق وزار مدناً عراقية من دون الرجوع إلى حكومة بغداد. وزاد الطين بلّة حين آوت أنقرة مسؤولين عراقيين غير عابئة باحتجاجات الجانب العراقي الذي يتآكله الضعف والتفكك في الوضع الحالي.
ويأتي ما يسمى «الربيع العربي» ليحمل عاصفة من الفوضى والخراب للمنطقة، ويطل الدور التركي بقوة هذه المرة مع صعود التيارات الإسلامية أو بالأصح «الإخوانية» في تونس وليبيا ومصر، فيأتي أردوغان في جولة إلى المنطقة مباركاً ومستبشراً بنشر تجربة حزبه «العدالة والتنمية» في ربوع العالم العربي الذي كان يوماً جزءاً من الإمبراطورية العثمانية شاسعة الأطراف.
ثورة مصر
إلا أن حدثاً وقع في مصر سيغير معالم خريطة الطريق الأردوغانية في المنطقة. فشعب مصر بكل أطيافه وبمساندة الجيش وعلى رأسه وزير الدفاع الفريق أول عبدالفتاح السيسي التفت إلى ما يحاك في السر والعلن لتحويل البلاد إلى تابعة لمشروع متشدد يخدم أغراضاً مشبوهة، فيقرر الشعب عزل محمد مرسي وجماعته.
وفي هذه اللحظة المصرية التاريخية الفارقة، تثور ثائرة أردوغان ويخرج بتصريحات نارية ضد ثورة 30 يونيو ويصف ما جرى بـ «الانقلاب» بل أنه اتهم إسرائيل بالضلوع في «مؤامرة الانقلاب على الرئيس محمد مرسي»، وليأتي الرد المصري سريعاً ليصفع السياسة التركية بقوة ويوجه إنذارات عديدة آخرها ما صدر عن الخارجية المصرية بـ «نفاد صبر مصر من موقف تركيا».
مواقف
إن المواقف التي سطرها كتاب ومفكرون عرب بعد موقف أردوغان من ثورة مصر خلال الأسابيع الماضية ومن مختلف الاتجاهات والتيارات، تعكس حالات متعددة من الغضب والشجب وأقلها خيبة الأمل تجاه الموقف التركي. البيان
