«لقد أضاءت قوات التحالف بغداد كما تُضاء شجرة عيد الميلاد». أذنت تلك الجملة، التي قالها مراسل شبكة «سي إن إن» في بغداد بيتر آرنيت، ببدء حرب الخليج الثانية في شتاء 1991، وأعلنت صراحةً انطلاق عصرٍ جديد تسيدت فيه المحطة الأميركية المشهد الإعلامي الدولي لأكثر من عقد. كانت حرب تحرير الكويت، الأولى في التاريخ البشري التي تُنقل على الهواء مباشرةً بفضل «سي إن إن»، التي أحدثت بذلك ثورةً غير مسبوقةٍ في عالم الإعلام، حيث أضحى بوسع المرء أن يتفرج على الصواريخ وهي تنهمر على المدن كأنه يتابع فيلم تشويق، ويستمع إلى صفارات الإنذار كالسيمفونيات الموسيقية.
ريادة وتحدٍ
والحال، أن تاريخ المحطة استُهل قبل بضعة أعوام من «عاصفة الصحراء»، وتحديداً في يونيو 1980، حينما باتت القناة الأولى عالمياً التي تبث أخباراً متواصلة على مدار 24 ساعة. وعلى الرغم من بداياتها المتواضعة، من قبيل العثرات المحرجة في نشرات أحوال الطقس، إلا أنها أثبتت فيما بعد ريادةً منقطعة النظير وكسبت التحدي بعد أعوام قليلة في أكثر من مناسبة، مثل بثها حصرياً تحطم مكوك الفضاء «تشالنجر»، وتغطيتها الفريدة لاحتجاجات ساحة تيانانمن في الصين وسقوط جدار برلين. وعليه، لم تكن صدفة أن يرفع الزعيم السوفيتي السابق ميخائيل غورباتشوف سماعة الهاتف ليطلب من مستشار ألمانيا الغربية آنذاك هيلموت كول أن يفتح التلفاز ليشاهد ما تبثه من أنباء عاجلة!!. كما لم يكن مستغرباً أن يسميها الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة بطرس غالي «العضو الـ16» في مجلس الأمن، في دلالةٍ عميقة على أهميتها ودورها الجوهري في خلق توجهات الرأي العام ونقل الحدث، بل وتغييره.
«تأثير سي إن إن»
وهكذا، اشتُهر مصطلح «تأثير سي إن إن» لاحقاً حينما سحبت الولايات المتحدة جنودها في الصومال بعدما بثت القناة مشهد سحل الجندي الأميركي في مقديشو، وتدخل حلف «الناتو» إثر متابعة الملايين حول العالم مراسلة المحطة المخضرمة كريستيان أمانبور تركض في أزقة سراييفو وتختبئ مع النساء البوسنيات وراء السيارات هرباً من القناصة الصرب إبان حرب البلقان، ما أكسبها شهرة واسعة هي الأخرى أهلتها لتكون أول إعلامية أميركية، وهي الإيرانية الأصل، تحاور رئيساً إيرانياً ما بعد 1979، وهو محمد خاتمي. كانت حرب العراق في 2003 آخر مآثر القناة، حينما ابتكرت مفهوم «الصحافي المرافق» للقوات العسكرية، وقبلها ابتدعت الخبر العاجل والشريط الإخباري، اللذين قلدتها فيهما المحطات العربية والغربية الأخرى.
أفول نجم
واليوم، وبعد عشرة أعوام، تضاءلت أهمية المحطة إلى حدٍ بعيد وتناقصت أعداد مشاهديها بنسبةٍ هائلة لأسبابٍ مختلفة. فخروج صحافيين متمرسين منها، من طينة برنارد شو ولاري كينغ وجودي وودروف، بعد أن ارتبط اسمها بهم، وظهور قنوات محلية داخل الولايات الـ50، وبلغاتٍ غير الانجليزية تخاطب الآسيويين و«الهيسبانيك»، فضلاً عن اتجاه الأميركيين نحو استقاء مصادر الأخبار من شبكة الانترنت، بالإضافة إلى تزايد حدة الاستقطاب السياسي داخل المجتمع الأميركي بين اليمين واليسار، كلها عوامل ساهمت في أفول نجمها ودفعت المشاهد إلى البحث عن وسائل إعلام أخرى بديلة تشبع رغبته في تلقي مادة تتواءم ونمط تفكيره، في عالمٍ لم يعد يعترف بالحياد في نقل الخبر.
ولهذا، وفيما يسيطر رموز الإعلام اليساري على البرامج التلفزيونية السياسية الخفيفة والساخرة، مثل جاي لينو، مقدم «عرض الليلة»، وجون ستيوارت، مقدم «العرض اليومي»، وتلك الاجتماعية الحوارية، مثل أوبرا وينفري، يهيمن اليمين على برامج النقاش في محطات الإذاعة عبر أسماء معروفة مثل رش ليمبو وشون هانيتي.
وفي الوسط، ضاعت موضوعية «سي إن إن» فتاهت بوصلتها وباتت تهتم لنقل أخبار بطولات رياضة الغولف والأفلام الوثائقية عن صيد الحيتان وتتجاهل أحداثاً جساماً في غير مكانٍ في ذات التوقيت، وكأنها استسلمت، فسلمت الراية لقنوات «فوكس نيوز» و«إم إس إن بي سي» و«سي بي إس»، التي ابتلعت حصتها في سوق المشاهدين وتركتها عرضةً لاحتمالات التجديد الواجب.
وفي المحصلة، لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال نسب تدهور شعبية المحطة إلى ما يحلو للبعض تسميته بـ«تراجع النفوذ الأميركي»، لأن الأسباب المذكورة إما مهنية بحتة أو تتعلق بمؤثرات سياسية داخلية في الولايات المتحدة، خاصةً أن القنوات الأخرى التي ظهرت فيما بعد، ومنها «روسيا اليوم»، لم تستطع على الإطلاق ملء الفراغ أو جذب زبائن «سي إن إن»، بل اكتفت بالاستحواذ على المؤدلجين أساساً، والذين لا يستهويهم نوعية المنتج بقدر ما يهتمون بمحتواه.
حقائق
تمتلك المحطة الأميركية قنوات شقيقة مثل «سي إن إن التركية» و«سي إن إن تشيلي» و«سي إن إن الدولية» و«سي إن إن بالإسبانية». ويقع مقر القناة الرئيسي في مدينة أتلاتنا بولاية جورجيا الأميركية. البيان
