تناقلت مواقع إلكترونية مؤخراً خبراً عنوانه «الشركس يهربون من سوريا إلى وطنهم الأم»، ويحوي العنوان اتهاماً مبطناً للشركس بالتخلي عن سوريا، وهو ما يثير استياء شراكس سوريا الذين يقول بعضهم إن «أحدا لم يقل إن الأرمن يفرون إلى وطنهم الأم في أرمينيا أو أن الأكراد يفرون إلى وطنهم الأم في كردستان العراق»، علما أن أعداد السوريين الذين غادروا خارج سوريا يصل إلى ملايين ولم يتجاوز عدد السوريين الشركس الذين توجهوا نحو القوقاز
ثلاثة آلاف على أبعد تقدير، استخدم معظمهم تأشيرات سياحية، وهو ما أوقعهم لاحقاً في مشكلات بتسوية أوضاعهم القانونية كطالبي إقامة، خاصة وأن قدومهم تم بضغوط من الحكومات المحلية للجمهوريات الشركسية على الحكومة المركزية في روسيا التي لا ترحب بهؤلاء العائدين المسلمين.
ولا تتطرق التقارير الإخبارية التي تتحدث عن شراكس سوريا إلى أعداد الذين ذهبوا إلى هناك أو كيف ذهبوا، والأهم لماذا ذهبوا، إذ أن قراهم قصفت وأحياءهم دمرت، وخصوصا في حمص والجولان. وليس للشركس في وطنهم الأم إلا بضع جمهوريات ذات حكم ذاتي ضمن أراضي الفيدرالية الروسية، وفي أحسن الأحوال دولتان هما أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية غير المعترف بهما إلا من روسيا وبضع دول.
شعوب وجذور
ولا يعرف أحد تماما عدد شركس سوريا فهو يتراوح بين 100-200 ألف نسمة يشمل جميع الشركس والأباظات والشيشان والداغستان، موزعين في أنحاء سوريا كافة. وإذا كانت كلمة الشركس أو الشراكس تشير إلى جميع هؤلاء في سوريا إلا أنها لا تعني الشيء نفسه في شمال القوقاز فرغم تقارب تلك الشعوب التي يرجع معظمها إلى أصول واحدة.
فإن اختلافات موجودة بينها تتزايد الآن لأسباب شتى، فكثير من الشراكس الذين قصدوا الجمهوريات الشركسية لم تعطهم روسيا إقامات وباتوا مهددين بالطرد منها، ففكروا بالتوجه إلى جمهوريات شركسية أخرى لم ترحب بهم.
واليوم يعيش شراكسة سوريا حالة انقسام بدأت تؤسس لشرخ سيتعمق في المستقبل فأولئك النازحون الذين تقطعت بهم السبل باتوا يخلطون بين وضعهم كنازحين أو عائدين، وأصبح كثير منهم يطالب الجمهوريات الشركسية بإيجاد حلول لهم.
ألاعيب الدول الكبرى
ويشتكي بعض الشركس من أن الدول عادت لاستخدامهم في ألاعيبها السياسية وهو ما يزيد الانقسام بينهم، فجورجيا المدعومة من الغرب والتي مارست إبادة جماعية ضد الأبخاز والأوسيتيين تعرض الجنسية الجورجية على شراكس سوريا ـ بحسب مواقع الكترونية ـ وهو ما يقسم المجتمع الشركسي بين موافق ورافض للفكرة، وحجة الموافقين أن «من يكون تحت القصف يحتاج أي عون»، أما المعارضون فينبهون إلى استخدام جورجيا من قبل أميركا لإثارة ملفات ساخنة تقض مضجع روسيا.
ويعتبر بعض الشراكس أن استخدام قضيتهم من طرف الدول الكبرى يعني إعادة توليد مأساتهم في القرن الثامن عشر حينما تحالفت عليهم في السر جميع دول العالم، واكتشف الشركس متأخرين أن روسيا كانت قد اتفقت سرا على أخذ أرضهم مقابل تسليم الشعوب الشركسية إلى العثمانيين ليحاربوا بهم في جبهات قتالهم الممتدة، بينما أخلفت بريطانيا وعودها بتسليحهم، وهذا التاريخ يكرر نفسه الآن في سوريا، فالدول تستنزف سوريا وشعبها لتحقيق أجنداتها.