ما صدر مؤخراً عن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما بشأن احتمال استخدام الكيماوي في مجزرة غوطة دمشق، تعامل معه المراقبون من زاوية أنه تمهيد لتحوّل في الموقف من الأزمة السورية. فلأول مرة يتحدث المسؤولون الأميركيون بلغة قريبة من الجزم، في هذا الخصوص.
ومن دون انتظار نتائج التحقيق الذي يقوم به مفتشو الأمم المتحدة، الذين بدأوا عملهم في مكان العملية، بعد موافقة السلطات السورية. في المرة الماضية اكتفت واشنطن بالشك مع الدعوة الى انتظار نتائج التحقيقات حول استعمال السلاح الكيماوي والتي لم يعلن عنها أي شيء إلى أن طواها النسيان. لكن هذه المرة جاءت التهمة على لسان الوزير جون كيري الذي قرر فجأة الحضور شخصياَ إلى قاعة الصحافة، ليعلن بنفسه ما يفيد بأن لدى واشنطن ما يسمح بوضع المجزرة في خانة الكيماوي.
حتى إذا ما طلع المفتشون بنتيجة مماثلة، تكون واشنطن قد وضعت الأساس لبناء قضية قانونية تكون سنداً لأي خطوة ضدّ سوريا، باعتبار أن اللجوء إلى هذا السلاح يشكل خرقاً للاتفاقية الدولية التي تحظره. فالاعتقاد الذي أشاعه خطاب الإدارة الأميركية الجديد، أن خطوة ما يجري طبخها على نار حامية بحيث تصبح جاهزة للتنفيذ في «القريب العاجل».
ليس بالضرورة من العيار الذي يقلب الموازين والمعادلات الميدانية السورية، رأساً على عقب. لكنه من الوزن الكافي لتحقيق هدفين: ردع يؤدي إلى تعديل الميزان على الأرض. ومن ناحية ثانية، تسخين الملف لفرضه على الدورة العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة ، التي يجري افتتاحها بعد حوالي ثلاثة أسابيع.
اجتماع طارئ
قرار الخطوة المرجحة، اتخذ بعد نقاش مكثف داخل الإدارة؛ فرضته حادثة الغوطة وما استثارته من تركيز إعلامي وردود فعل من جانب قوى وازنة في الكونغرس، كما من جانب دوائر ومرجعيات السياسة الخارجية في مراكز الابحاث ومواقع التأثير في صياغة القرار. وضع ضاغط اضطر معه البيت البيض لعقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن القومي نهار الأحد الماضي.
تدبير غير اعتيادي، جاء ليؤشر إلى وجود ظرف حرج، كما إلى وجود اضطرار للقيام بعمل ما، لم يكن الرئيس أوباما في وارد الإقدام عليه، من البداية. تمسك بسياسة الانسحاب وليس تجديد التدخل. مقاربة، يرى بعض المحللين، أنها أوقعته «في سوء تقدير الأزمة السورية». مما أدّى إلى تورطه بتعهدات وتهويلات، انكشف خواؤها عندما تردّد في ترجمتها؛ فبدا كرئيس «ضعيف وغير جدّي».
عملية عسكرية محدودة
التهويل في أزمة من هذا الصنف المتداخل فيه المحلي مع الإقليمي والدولي، ليس فقط عديم الجدوى؛ بل هو سلاح يرتد على صاحبه. تجلّى ذلك في تحذير أوباما قبل سنة، لسوريا من استخدام الكيماوي باعتبار أن ذلك: «خط أحمر من شأنه أن يحملني على تغيير حساباتي» كما قال آنذاك. جملة كثيراً ما جرى التذكير بها، في ذلك الوقت. وقد عادت هذه النغمة لتطارده، في الأيام الأخيرة.
والآن ورطته مزدوجة: حرّاس الهيبة الأميركية، يطالبونه بموقف عملي يحمي صدقية وصورة أميركا. ومن جهة ثانية هو يواجه رأيا عاما أميركيا يعارض بصورة عارمة أي تدخل في الشرق الأوسط تحت أي ذريعة. معادلة كانت عادة الغلبة فيها للاعتبار الأول. لكن بصيغة من نوع منتصف الطريق. ومن هنا يجري الحديث عن «عملية عسكرية محدودة».
سواء صاروخية أو متنوعة. نسخة معدّلة عن دور واشنطن في العملية الليبية. لكن التحذيرات في المقابل، بدأت تتوالى، حول ضرورة «تحديد الهدف من البداية» والتخطيط المسبق «للخطوة التالية»، لئلا تكون العملية مدخلاً لضربة تجرّ ضربات يحتّمها استكمال المهمة وغير ذلك من المطبات التي كشفت عنها تجربة حربي العراق وأفغانستان.