للمرة الثانية على التوالي، أقفل الأسبوع الماضي لبنانياً على الدم وصور القتلى والجرحى والأضرار المادية الكبيرة، وشيّعت مدينة طرابلس ضحايا التفجيرين اللذين استهدفا، الجمعة الماضي، محيط مسجدَي «التقوى» و«السلام»، بدون أن تتمكّن حتى الآن من تحديد هوية الجناة.
وفي حين يتزايد القلق على مصير لبنان، بفعل التفجيرات المتنقّلة، فإن حصيلة الإجراءات الميدانية والاجتماعات الأمنية ضبطت الأوضاع في مدينة طرابلس واحتوت الانفعالات وردود الفعل، وبات ملف الأمن موجوداً على مكاتب قيادات الدولة، بكل ما يتضمن من وقائع خطيرة كشِف النقاب عن جزء يسير منها وبقيت أجزاء قيد المداولات السرية في دوائر المجالس الأمنية، رافعة منسوب الاستنفار والتنسيق بين الأجهزة الى أعلى مستوى.
تحذير وفتنة
وبعدما بدا واضحاً أن لبنان برمّته انكشف أمام مشروع الفتنة المذهبية الخطير، وأجمعت مختلف المواقف السياسية على ضرورة التوحّد في مواجهة مسلسل الفتنة المتربّص شراً بكل لبنان، وجّه الرئيس ميشال سليمان كلمة الى اللبنانيين تضمّنت طرح مبادرة ورسم خريطة طريق قد تساعد على منع البلاد من الانجرار الى الفتنة، إذ دعا الجميع، وبدون استثناء، الى قرار وطني مسؤول، ينأى عن المصالح الخارجية والإقليمية، ويأخذ في الاعتبار المصلحة الوطنية الداخلية، والالتقاء ضمن حكومة جامعة وحول طاولة هيئة الحوار الوطني بدون شروط مسبقة، لدرء المخاطر التي تهدد الوطن.
اختبار دقيق
ولكون الكلمة التي وجهها الرئيس اللبناني الى مواطنيه رسمت إطاراً واضحاً للأخطار التي تواجه البلاد، وعكست الكثير من الهواجس التي باتت تثقل أي عمل إنقاذي لمواجهة أخطار الاستباحة الإرهابية التي تتهدّد لبنان واللبنانيين، فإن مصادر معنية توقعت أن تشهد الأيام المقبلة اختباراً دقيقاً، يتّسم بطابع مصيري حيال ما اذا كانت فصول التطورات الدامية التي حصلت مؤخراً ستكفل كسر الأزمة السياسية والحكومية، وإطلاق ملامح تنازلات من شأنها أن تعبّد الطريق لحكومة جديدة، أم أن الوضع سيبقى أسير الانسداد السياسي، وتالياً استمرار تشريع البلاد على مزيد من الاستهدافات من دون شبكة حماية سياسية.
انقسام سياسي
ووفق مصادر متابعة، فإن الانقسام السياسي من أخطر العوامل المساعدة على نمو الخلايا الإرهابية، لا سيما الانقسام القائم في لبنان الذي يأخذ أبعاداً طائفية خطيرة، تساعد على تشكيل بيئة حاضنة لهذه المجموعات بعد أن تؤمن الأسباب الموجبة.
وفي المحصلة، فرضت الأوضاع الإقليمية على لبنان الدخول في مواجهة شاملة مع الإرهاب، وهي تتطلب في الوقت الراهن احتضاناً شعبياً واسعاً لمختلف الأجهزة الأمنية في ظل الانقسام السياسي القائم.
رسائل واضحة
وبحسب هذه المصادر، فإن تفجيرَي طرابلس حملا رسائل واضحة، ما زاد الخشية من ظهور ما يمكن تسميته بالأسباب الموجبة التي تدفع الى الاعتقاد بأن مشروع «فدرلة لبنان» بدأ فعلاً من خلال موجة «الأمن الذاتي». لعبة دموية
حذّرت مصادر في قوى 14 آذار من خطورة اللعبة الدمويّة على المسرح اللبناني، ومن تمدّدها الى أكثر من منطقة بهدف خلق فتنة لتفجير لبنان. ولم تستبعد أن يكون اعتماد مبدأ الأمن الذاتي مدخلاً لإعلان كيانات طائفية ومذهبية، ما من شأنه أن يدفع الى الانفجار الشامل أو الى إعلان كيانات مماثلة.وبمعزل عن آراء بعض السياسيين والقيادات الروحية التي جنحت باتجاه الأمن الذاتي، شدّدت مصادر قيادية في قوى 8 آذار على أن المفصل الحقيقي بالنسبة للجميع بات متمحوراً حول منع كيفية إراقة دماء اللبنانيين، بمختلف انتماءاتهم ومذاهبهم وطوائفهم،