بالرغم من أن الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة عاد من رحلته العلاجية منتصف الشهر الماضي على كرسي متحرك إلا أن الحديث عن من يخلفه في الأوساط السياسية والتساؤل عن مدى قدرة بوتفليقة في اكتمال عهدته الرئاسية من عدمها فضلاً عن اختفائه عن أنظار وسائل الإعلام لم تصعد الجدال حول من يخلفه أو من يدير شؤون البلاد في ظل وضعه الصحي الحالي حيث ربط مراقبون ذلك بالأحداث الجارية في دول الربيع العربي التي اصبحت شعوبها تبحث عن الأمن والاستقرار أولا.
ويرى مراقبون أن الأحداث المتسارعة في دول الربيع العربي على غرار ما يحدث في كل من تونس وليبيا وخاصة مصر حيث انتفض الشعب المصري على حكم الإخوان في ثورته التصحيحية 30 يونيو وهو ما أدى إلى عزل الرئيس المصري محمد مرسي كان له الاثر البالغ على المشهد السياسي في الجزائر خاصة وأن هذه الأخيرة مرت تجربة مشابهة في أوائل تسعينيات القرن الماضي وبمثال مصر يتأكد للجزائريين أن الحكم المتطرف أو الحكم تحت غطاء الدين من شأنه أن يدمر البلاد ويقودها إلى نفق مظلم.
كان رئيس حركة مجتمع السلم (حمس)، بوقرة سلطاني، قبل أعوام، يقول: إنه "سيكون على رأس الحزب الأول في الجزائر، يعني الفوز بمقاليد الحكم، مع حلول سنة 2014". وقبل الانتخابات التشريعية الأخيرة، مايو 2012، تحالفت ثلاثة أحزاب إسلامية (هي حمس والنهضة والإصلاح)، تحت راية التكتل الأخضر، لحصد ما كان قادتها يعتقدون أنه الحصول على أغلبية المقاعد في البرلمان وكانت المعادلة من البساطة أنه بإمكان : "الربيع العربي حمل الإسلاميين إلى السلطة في كل البلاد العربية، فمن المنطقي أن يفوز الإسلاميون في الجزائر. ولا يزال سلطاني وحلفاؤه يؤمنون بأن المسألة عملية ميكانيكية، بحيث يكفي اتفاق جميع الأحزاب الإسلامية على مرشح واحد في رئاسيات 2014 حتى يكون الرئيس الجزائري القادم إسلاميا.
ولكن مع تطور الأوضاع في الدول المجاورة وازدياد حالة الانفلات الأمني في تونس وليبيا وتزايد وتيرة العنف في مصر كلها عوامل أدت إلى تخوف الجزائيين من الإسلاميين وازديادهم تيقنا بأن الجزائر أنقذت نفسها من حكم كان قد يدمرها في تسعينيات القرن الماضي واستفادت الجزائر من الأحداث في هذه الدول حتى تعزز من سلطتها ونظامها وتثبت أنها تسير على النهج الصحيح حيث اعتبر رئيس الوزراء عبدالملك سلال أنّ الديمقراطية المرجوة من وراء شلال دم «الربيع العربي» كانت درسا للجميع على حد قوله في وقت أمسكت الجزائر العصا من الوسط، ورفضت الانسياق وراء الموجة واكتفت بدور المراقب فيما يحدث من حلقات سيناريو «الربيع العربي»، وأضاف «الديمقراطية ليست فقط وضع الأوراق في الصندوق».
يرًا على أنّ هذه الديمقراطية كانت سببا في الجحيم للشعوب، التي غرّر بها باسم «الربيع العربي»، مضيفا: «كادت الانتخابات أن تخرج لنا جحيما في وقت من الأوقات»، في إشارة منه إلى الانتخابات البرلمانية التي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحلة، ومن ثمّ غرق الجزائر في دوامة دمّ، وصفها الوزير بالسنوات العجاف، التي عرفت مشاكل، هدّدت كيان الشعب والدولة الجزائرية.
يبدو أن الجزائريين فضلوا الأمن والاستقرار بدل المغامرة بإحداث تغيير بالعنف قد يجر البلاد إلى ما لا يحمد عقباه خاصة وأنهم عايشوا تجربة العنف في ما يعرف بالعشرية السوداء ولا أحد من الجزائيين يود تكرارها مجدداً.
