تقف فلسطين الآن أمام قرار حاسم تجاه حركة حماس وقطاع غزة بعد أن باءت جميع المحاولات والاقتراحات لإنهاء الانقسام بالفشل، وبات السيناريو المقترح الذي يتكرر بقوة في مكتب الرئيس الفلسطيني محمد عباس هذه الأيام بإعلان قطاع غزة إقليما متمردا والتعامل معه على هذا الاساس أقرب إلى الواقع، بعد أن نفد صبر الأخير، الذي لطالما عطل هذا الاقتراح منذ سيطرة «حماس» على القطاع بالقوة العام 2007.
كذلك، لم تعد قيادة منظمة التحرير الفلسطينية تتحمل مزيدا من العدوان اللفظي الذي يمارسه الناطقون بلسان «حماس» ضد المنظمة والرئاسة، خصوصا بعد أن فتحت كلاهما الباب على مصراعيه لـ«حماس» لتكون جزءا من هذا النسيج الفلسطيني المعترف به كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، إلا أن هذا الباب قد أوصد، كما يرى مراقبون في حديثهم لـ «البيان»، نتيجة رفض الحركة المتكرر الذهاب إلى الانتخابات.
محاولة أخيرة
وعلى الرغم من أن عباس لم يعط قرارا واضحا بهذا الاتجاه بعد، إلا أن المحللين يرون في زيارة امين سر المجلس الثوري لحركة فتح أمين مقبول الى غزة، محاولا لم الجراح وطرق الأبواب، محاولة أخيرة قبل الإعلان الرئاسي المرتقب.ويستنكر الناطق باسم «فتح» احمد عساف، في حديثه لـ «البيان»، استقبال مقبول بتظاهرة أمام باب الفندق الذي تواجد فيه، بالإضافة إلى الوفد المرافق ومطالبته بالمغادرة، معتبرا أن «تصرف حماس هو رسالة مفادها أن القطاع بلد آخر وهؤلاء الفلسطينيون الفتحاويون ضيوفا غير مرحب فيهم في هذا البلد».
ميل للانفصال
وتبدو الغالبية العظمى من القيادات الفلسطينية في الضفة وغزة، باستثناء «حماس» ومن يواليه ومن لا يريد استعجال العنف في الشطرين المنقسمين، أكثر ميلا الى الانفصال، والى الكف عن تضييع الوقت في مسيرة حوارات المصالحة التي لا تنتهي ومحاولات الوحدة الوطنية المحكوم عليها بالفشل مسبقا. هذا فضلا عن حركة «تمرد ضد القطاع»، التي بدأت تأخذ صدى أوسع في الشارع الفلسطيني في الضفة والقطاع معا وبدت بياناتها المصورة والمنشورة أكثر حدة في خطابها وإصرارا على كسر الحواجز أمام وحدة الشطرين بأي طريقة ممكنة، وهذا بدوره قد يستعجل فكرة الانفصال اكثر فأكثر.
تراجع خطابي
بدوره، يستشعر ان رئيس الحكومة المقالة في قطاع غزة اسماعيل هنية خطورة المرحلة المقبلة وما تحمله من مفاجآت قد تنفجر في أي لحظة في وجه حركته المسيطرة على القطاع، والتي ارتفع سقف توقعاتها إبان تولي الإخوان المسلمين حكم مصر وما منحه ذلك من ميزات قبل أن تهوي هذه الأحلام في ذات الحفرة التي سقط فيها الإخوان وما يحملونه من مشاريع وخطط للوطن العربي الجريح بالثورة، والنازف بالمطالبة بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والدولة المدنية التي يسود فيها القانون ويتشارك فيها الجميع الحكم .
وحاول هنية، في كلمته خلال افتتاح البرنامج الوطني لمؤشرات الأداء، التخفيف من حدة الموقف، داعيا إلى «توسيع رقعة المشاركة في إدارة قطاع غزة إلى حين تحقيق المصالحة وتشكيل حكومة وحدة وطنية». ويرى المراقبون في هذا خطاب هنية شكلا نادرا لم يتعود الفلسطينيون سماعه، ولم تكن «حماس» تتقن أداءه، خصوصا فيما يتعلق بالمشاركة في إدارة قطاع غزة.
تهديد «تمرد»
ولكن هذا النموذج الخطابي اللطيف لم يدم طويلا فلغة «تمرد» لم ترق لهنية، الذي أكد ان دعوته للمشاركة ليست تحسبا من امر قادم، وسارع إلى التهديد والوعيد مخاطبا حركة تمرد، قائلا: « هذه لغة يجب ألا تستخدم فيما بيننا، لا تذهبوا إلى هذا الطريق، لا تذهبوا نحو هذا الاتجاه الخطر، هذا اتجاه له نتائج صعبة على وحدتنا، العاقل من يتعظ بنفسه وغيره». وبدأ يتحدث عن العنف الدموي الذي شهده القطاع في العام 2007، وقال: ««لا نريد أن نذهب لهذا المربع الصعب، ولا نريد أن نستدعي العلاقات في بعدها الدموي». بالمقابل، حمّل عساف حركة «حماس» مسؤولية «القتل والتعذيب ومصادرة الحريات وإقصاء فتح وباقي التنظيمات والاحزاب عن المشهد السياسي في قطاع غزة».
أيام حاسمة
عبّر المسؤول عن صفحة «تمرد ضد الظلم في القطاع» المعروف باسم الغزاوي، في حديثه لـ «البيان»، عن استيائه من حديث رئيس وزراء الحكومة المقالة أسماعيل هنية، معتبرا أن «التذكير بمشاهد القتل والعنف في ايام الانقسام الأول تهديدا يخاطب به رئيس الحكومة المقالة المواطنين الغزيين، اذا ما قرروا النزول إلى الشارع مطالبين بحقوقهم العادلة والمشروعة والديمقراطية في اختيار من يحكمهم عن طريق صندوق الاقتراع».
وأضاف إن «الأيام والشهور المقبلة ستكون حاسمة، ولغة التهديد لن تزيدنا إلا قوة وإصرار وعزيمة لتحقيق ما اجتمعنا عليه، ومواجهتنا بعنف من قبل حركة حماس وأجهزة امن المقالة سيمنحنا مزيدا من الالتفاف الشعبي حول تجمعنا». البيان