ظن أبو نضال أن الرجال والنساء والأطفال الذين كانوا راقدين في أسرتهم «نائمين» لما يبدو عليهم من هدوء وسكينة، بينما كان هو ومنقذون آخرون يسحبون جثثهم الى الشوارع. وروايته هذه إحدى روايات كثيرة عن هجوم واسع على الضواحي الشرقية لدمشق خلف أكثر من 1600 شهيد. ويقولون إن بعض القنابل كانت محملة بمادة كيماوية وهو ما يجعله أسوأ هجوم كيماوي منذ بدء الثورة السورية قبل أكثر من عامين.
وقال أبو نضال لوكالة «رويترز» عن طريق خدمة «سكايب» من ضاحية عربين بريف دمشق: «كنا ندخل المنزل، نجد كل شيء في مكانه. كل شخص في مكانه. كانوا راقدين في أماكنهم. كانوا يبدون كما لو كانوا نائمين لكنهم كانوا ميتين».
وكان مفاجئا لبعض المسعفين أن تشن قوات بشار الاسد مثل هذا الهجوم بعد أيام فقط من وصول فريق للأمم المتحدة الى العاصمة للتحقق من التقارير السابقة عن استخدام الاسلحة الكيماوية. ويقيم محققو الامم المتحدة في فندق على بعد بضعة كيلومترات فقط من موقع الحادث.
شهود المحرقة
وعندما سقطت القذائف على منطقة المعضمية التي تقيم بها جنوب غربي دمشق، تجاهلت فرح الشامي الشائعات على «فيسبوك» بأن الصواريخ كانت محملة بمواد كيماوية. واعتقدت أن المنطقة قريبة من معسكر للجيش بدرجة تجنبه الهجوم. وقالت فرح (23 عاما): «وفي نفس الوقت كانت الامم المتحدة هنا. كان الامر يبدو مستحيلا. لكنني حينئذ بدأت أشعر بالدوار. كنت أشعر بالاختناق وعيناي تحترقان. هرعت الى مستشفى ميداني قريب. لحسن الحظ لم يصب أحد من أسرتي لكني شاهدت أسراً بأكملها على الأرض».
ويصف أطباء أجريت مقابلات معهم في المكان أعراضا يعتقدون أنها تشير الى غاز السارين، وهو أحد العناصر الكيماوية التي تتهم القوى الغربية دمشق بامتلاكها ضمن مخزون غير معلن عنه من الاسلحة الكيماوية. وتنفي الحكومة امتلاك مثل هذه الأسلحة، وتقول انها اذا كانت تمتلكتها بالفعل فلن تستخدمها ضد أي مواطن سوري. وجددت هذه التعليقات، واصفة التقارير عن هجوم بالغاز بأنها «ملفقة».
أدلة ووثائق
وتظهر تسجيلات مصورة في ضواحٍ بمعقل المعارضة في الغوطة الشرقية خارج دمشق مشاهد مماثلة لأطفال يتشنجون على الارض ويخرجون الرغاوي من الانف والفم. وتظهر في بعض التسجيلات صفوف من الرجال والنساء والاطفال يبدو عليهم الشحوب ولا تظهر عليهم اصابات وهم يجهزون للدفن.
وقال ابو نضال ان الهجوم الكيماوي فاجأ بعض المسعفين أيضا عندما سقطت الموجة الاولى من الصواريخ بين الساعة 2.20 و 2.40 صباحا. وأضاف: «شاهدنا رجالا راقدين على الدرج وفي مداخل المباني. بدوا كما لو كانوا يحاولون الدخول والمساعدة ثم تأثروا هم انفسهم. بعضهم كان ميتاً».
لكن في غضون نصف ساعة من الهجوم على ضاحية عربين تناقل السكان تقارير عن هجوم بالغاز فيما ما يبدو في منطقة قريبة. وقال أبو نضال: «بعضهم نقل المعلومات عبر مكبرات الصوت من مآذن المساجد قائلين ان بلدات مثل عين ترما وبلدات اخرى تتعرض إلى هجمات كيماوية». وأضاف أن «المسعفين انتقلوا من منزل الى آخر محطمين الأبواب لفحص حتى المنازل التي لم تصبها القذائف للتأكد من عدم وجود ضحايا للهجوم بالغاز فيها».
قتلى المعضمية
وحين سقطت الصواريخ بالقرب من أبو عمر، وهو طبيب في المعضمية، جهز نفسه هو والمسعفون معه على الفور بأقنعة وقفازات بلاستيكية. وباغتته اعداد القتلى والمصابين خلافا لهجمات سابقة لم تخلف سوى بضعة عشرات من الضحايا. وقال مثل كثير من الاطباء انه عالج المئات في الهجوم الجديد. ومن بين 120 ابلغ انهم قتلوا جراء القصف على المعضمية، قال إن 50 قتلوا بالغاز. وقال: «لم نعرف ماذا نفعل معهم جميعا، لذلك بدأت ارسال بعض المصابين لكي ينتظروا في الشوارع».
آثار السارين
قال ماجد ابو علي وهو طبيب يعالج المرضى في ضاحية دوما بشرق دمشق ان «نصف الاشخاص الذين عالجهم على الاقل كانوا نساء وأطفالاً وصلوا الى عيادته في حوالي الثالثة صباحا». وقال لـ «رويترز»: «الاصابات تتوافق مع آثار غاز السارين. صعوبة في التنفس. ضيق في التنفس. وعدم القدرة على التنفس لدرجة تصل إلى الاختناق. تباطؤ نبض القلب لدرجة تصل إلى السكتة القلبية وضيق في بؤبؤ العين وتعرق وتشنجات وفقدان للوعي وحتى الموت». رويترز