قبل ستّة أشهر، لم يكن هناك من يتخيّل إمكانية تحالف الجبهة الشعبية، التي تجمع الأحزاب والتيّارات والشخصية اليسارية الشيوعية والاشتراكية والماركسية الراديكالية والقومية البعثية والناصرية والوحدوية، مع حركة «نداء تونس» الليبيرالية ذات المرجعية البورقيبية المنفتحة على الغرب والتي تعتبر نفسها امتداداً للدولة الوطنية الحديثة المتهمة من قبل تيّارات اليسار بالقمع والاستبداد، لاسيّما في عهد الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة. إلّا أنّ الوضع الإقليمي والمحلي فرض على القوتين الأبرز في المعارضة تجاوز خلافاتهما العقائدية والتحالف في إطار «جبهة الإنقاذ» من أجل إسقاط حكم الترويكا الذي تقوده حركة النهضة.
ففي فبراير الماضي، اغتيل المعارض زعيم حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد والقيادي في الجبهة الشعبية شكري بلعيد الذي عدّه الكثيرون يغرّد خارج السرب ويعمل في الخفاء من أجل تقريب المسافات بين الجبهة و«نداء تونس» في إطار رؤية براغماتية تنطلق من أنّ حكم جماعات الإسلام السياسي في تونس يمثّل الخطر الأكبر على البلاد وعلى مدنية الدولة وقيم الحداثة وحقوق المرأة والحريات العامة التي يلتقي حولها اليساريون والليبيراليون، إذ يعتقد مراقبون أنّ «هذا التوجّه من قبل بلعيد ربما يكون من الأسباب الحقيقية لاغتيال مازال يكتنفه الغموض».
الهمامي والسبسي
واليوم، بات من الممكن متابعة لقاءات ثنائية بين حمة الهمامي الذي عارض بورقيبة وبن علي ويعارض اليوم حركة النهضة، والباجي قايد السبسي الذي كان واحدا من وزراء بورقيبة ثم عاش شبه عزلة سياسية في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، وقاد الحكومة الانتقالية من مارس إلى أكتوبر 2011. إلاّ أنّ أغرب ما في الأمر، أنّ السبسي لم يستقبل الهمامي أثناء مدة رئاسته الحكومة، حيث كان يعتبره رمزا من رموز التطرّف اليساري ومن الداعين إلى الفوضى التي عرفتها البلاد في العام الأول لما بعد ثورة 14 يناير، في حين كان الهمامي يرى في السبسي امتدادا لدولة الاستبداد.
خطب ود
وإذا كان تحالف الجبهة الشعبية مع «نداء تونس» تحوّلا مهمّاً، فإن التحوّل الثاني يتمثّل في تغيير خطاب حركة النهضة تجاه حركة السبسي بعد أن كانت ترفض الجلوس معها في طاولة حوار واحدة وتعتبرها من بقايا العهد السابق وتواصلاً للنهج البورقيبي الذي تناهضه قوى الإسلام السياسي في البلاد. كما كان راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة يرى أنّ الحوار يمكن أن يكون مع جميع الأطراف ما عدا «نداء تونس». لكن الأسبوع الماضي كشف عن مشهد فريد من نوعه: الغنوشي يسافر في طائرة خاصة إلى باريس مصحوبا برئيس المكتب السياسي لحركة النهضة عامر العريض ليجتمع مع السبسي الذي كان في رحلة استجمام.
وعرض الغنوشي على السبسي التحالف والتفاهم على تقاسم كعكة السلطة. ففي السياسة ليس هناك صداقة دائمة ولا عداء دائم وإنما مصالح دائمة، وهذا ما أدركته قيادة «النهضة» التي تعيش حالة من الانكسار في ظل تراجع المشروع الإخواني في المنطقة والذي كانت ترى فيه دعامة أساسية لاستمرارها في الحكم.
جسور التواصل
اختار زعيم «تيار المحبة» الهاشمي الحامدي مد جسور التواصل مع حركة النهضة التي كانت أحد قياداتها الطلابية في منتصف الثمانينات من القرن الماضي وطرد منها في بداية التسعينات، ليصبح من ألد خصومها خلال العامين الماضيين، على خلفية ما حدث في مصر ليتبنى موقفها وموقف التنظيم العالمي للإخوان المسلمين جاعلاً من قناته التليفزيونية الخاصة منبرا لمناهضة «ثورة ٣٠ يونيو» في مصر والتحريض على الجيش والأمن المصريين. البيان