انحازت تركيا منذ اللحظات الأولى إلى جماعة الإخوان في مصر، وأيدت صعودهم السياسي عقب ثورة 25 يناير 2011، وراحت عمليا تستثمر في «إخوان مصر»، على اعتبار أن حزب الحرية والعدالة (الذراع السياسية لجماعة الإخوان) هو امتداد لحزب العدالة والتنمية الحاكم بتركيا، وأن كلاهما يعملان تحت مظلة التنظيم الدولي لجماعة الإخوان ويتفقان في «الايديولوجيا».

ولم تُغير أنقرة موقفها من المشهد في مصر، واستمرت على انحيازها التام إلى «الجماعة» حتى بعد ظهور الإرادة الشعبية في 30 يونيو التي انحاز إليها الجيش، حيث أصدر خريطة طريق في الثالث من يوليو الماضي ضمنت الإطاحة بالرئيس الإخواني محمد مرسي من سدة الحكم.

الخارجية المصرية

وبحسب ما يؤكده الناطق الرسمي باسم الخارجية المصرية السفير بدر عبد العاطي في تصريحات خص بها «البيان»، فإن «التصريحات التي تصدر من الجانب التركي تجاوزت كافة الحدود، ولم يعد من الممكن الصبر عليها إلى هذا النحو»، مؤكدا في السياق ذاته أن الموقف التركي الحالي «يعصف» بالعلاقات بين الشعبين، و«يقزم» علاقات تاريخية بين القاهرة وأنقرة لصالح أيديولوجيات ومصالح ضيقة، وهو ما ترفضه الإدارة المصرية حاليا، التي قد تلجأ لاتخاذ العديد من القرارات في سبيل التصعيد ضد تركيا.

تجاوز الأعراف

وفي خضم ذلك المشهد المُعقد، صعد الجانب التركي لهجته ضد الإدارة المصرية، وهو التصعيد الذي وصفته الدبلوماسية المصرية بأنه «تجاوز كل الأعراف الدبلوماسية العالمية»، ما أدى إلى موجة من الغضب في الشارع المصري من جراء الموقف التركي الذي همّش مصالح البلدين، وكثف تركيزه على مصالح حزبية ضيقة قائمة على أسس أيديولوجية، وراح يصف قادتها بـ«الانقلابيين»، ما أغضب القاهرة ودفعها إلى اتخاذ إجراءات حاسمة في مقدمتها استدعاء السفير المصري هناك، وإرجاء المناورات البحرية مع أنقرة، وهي الإجراءات المرشحة للتصاعد خلال الفترة المقبلة.

أيديولوجيا واستثمارات

ويُحدد مراقبون أسباب الموقف التركي المتعنت من التطورات التي تحدث في مصر، يأتي في مقدمتها «توافق الأيديولوجيات التركية مع الإخوان»، خاصة أن تركيا تحتضن اجتماعات التنظيم الدولي للجماعة ومؤسساتها وترعاها، حيث إن كلا النظامين يشكلان امتدادا واحدا لفكرة واحدة.

أما السبب الثاني، فيكمن في خسارة المشروع التركي لواحد من أبرز حلفائه في المنطقة. فتركيا استثمرت سياسيا في الجماعة، وترى أن أي نظام آخر في مصر لن يكون مطلقا مثل «الإخوان» الذين أبدوا مواقف متفهمة ومترابطة مع الرؤى التركية.

تصدير الثورة

ومن أبرز الأسباب كذلك هو تخوف الجانب التركي من إمكانية قيام مصر بتصدير الثورة إلى تركيا، خاصة أن ثوار 30 يونيو ومن قبلهم ثوار 25 يناير، غيّروا فلسفة التغيير نفسها مُعليين فكرة «الإرادة الشعبية» التي تستطيع أن تسقط رئيسا وتأتي بآخر، ذلك النظام يمثل خطرا على مصر.

ومن ثم، ومع فشل تركيا في توقع 30 يونيو وسيناريوهاتها، فإن أنقرة الإسلامية باتت ترتعد من فكرة نقل الحراك الذي حدث في مصر ضد «النظام الإسلامي» إليها، عبر نقل فكرة «التغيير بالإرادة الشعبية».

قوة عظمى

وتيقن الجانب التركي بأن المشهد الدولي الآن ليس في صالحه، وأن بقاء «الإخوان» في السلطة في مصر هو «الأمل الأخير»، خاصة في ظل ما يواجهه النظام في كل من تونس وليبيا من إشكاليات، تؤكد جميعها أن مشروع جماعة الاخوان يتهاوى في المنطقة كلها، كما أن هناك تداعيا لـ«الطموح التركي» في أن تصبح أنقرة «قوة عظمى» في المنطقة جميعها، ما يؤهلها للالتحاق بالاتحاد الأوروبي.

ووفق ما يؤكده مراقبون للشأن المصري، فإن أنقرة لعبت دورا قياديا في توجيه الإدارة المصرية والرئيس المعزول محمد مرسي بصفة عامة، وكانت بمثابة «المثل الأعلى» لنظام الإخوان في مصر، وسقوطها يعني سقوطا معنويا للإدارة التركية، يدفعها إلى اتخاذ مثل تلك المواقف المتعنتة من الإدارة المصرية على هذا النحو الذي تجاوز الأعراف الدبلوماسية.

واللافت للنظر كذلك هو فشل سياسة وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو الشهيرة بـ«سياسة تصفير المشكلات مع دول المنطقة».

ففي وقت تحاول تركيا «تصفير» مشكلاتها، صنعت بموقفها من القاهرة المزيد من الإشكاليات التي جعلتها في مرمى حنق وغضب وعداء شعوب عربية رافضة للموقف التركي الراهن.

 

كاريزما أردوغان

بسقوط «الإخوان» في مصر، ظهر أن الشخصية الدبلوماسية التي حققت رواجا في المجتمعات العربية والمحافل الدولية وهي شخصية رجب طيب أردوغان بكاريزمته، انتهت؛ بسبب السياسة الخارجية لأنقرة، والمواقف التي يوضع عليها مئات علامات الاستفهام.

وكان أردوغان ألزم نفسه أن يكون منبرا لجماعة الإخوان يدافع عنها دوليا، وأجرى اتصالات مكثفة من أجل توجيه الغرب إلى اتجاه بعينه. البيان