بينما تجري المداولات في الخارج بين الشخصيات العسكرية والاجتماعية والسياسية السورية مع الأطراف الدولية والإقليمية تحضيراً لتشكيل «الجيش الوطني السوري» المؤلف من سبعة آلاف مقاتل، وبالدعم اللوجستي والعسكري والمالي من قبل الولايات المتحدة الهادف إلى وأد سطوة أمراء الحرب حيث غالبيتهم من الإسلاميين المتشددين المنتشرين في معظم المناطق السورية بحسب ما نشره بعض الجهات الإعلامية، ثمة عوامل في الداخل قد تسرع بتأسيس ما يسمى «الصحوات» في سبيل لجم التمدد الجهادي المنتشر في معظم المناطق المحررة في شمال شرقي البلاد، سيما بعد نشوب الخلافات والاشتباكات المتكررة بين القوات الكردية والجماعات المحلية والكتائب التابعة للجيش الحر مع «الدولة الإسلامية» بسبب تصميم «الإسلاموية» المتجسدة في «دولة العراق وبلاد الشام» على فرض إمارة إسلامية عنوة، والاحتكام إلى حكم الشرع وفرض الحدود في فض النزاعات الناشبة في المناطق الريفية الفقيرة، معتمدة بصورة رئيسية على شرعنة قوة السلاح وعمليات الخطف والقتل بحق المدنيين والنشطاء وقادة الكتائب العسكرية، وتجلى ذلك مؤخراً في مدينة الرقة.

ويبدو أن حالة الغليان والاحتقان وصلت إلى ذروته في هذه المدينة المحررة من سيطرة القوات النظامية، فنفوذ لواء «أحفاد الرسول» وكتيبة «أمناء» في الرقة والجزيرة السورية تقلص نهائياً أمام ضربات «الدولة الإسلامية» التي باتت تنال الدعم من الكتائب الإسلامية الأخرى كـ «أحرار الشام» و«جبهة النصرة»، في حين تراجع حجم كتيبة «الفاروق» في الحسكة ودير الزور وريف حلب. وبناء على شهادات النشطاء في الرقة الذين رفضوا كشف عن هويتهم، فقد حسمت المعركة التي نشبت على خلفية اعتقال قيادات في لواء «أحفاد الرسول» لصالح «الدولة الإسلامية»، لكن هذا الأمر زاد ضمنياً من منسوب الاحتقان لدى العشائر المحلية والمجلس الثوري العسكري في الرقة، وبحسب النشطاء إن ما جرى لم يكن انتصاراً لصالح «الإسلاموية» المتشددة، بقدر ما جردتها من الحاضنة الاجتماعية التي احتضنتها في الفترات السابقة، وقربت في الوقت نفسه الفصائل العسكرية والعشائر الكبيرة.

حاضنة عشائرية

يكشف عبد الله الذي يعمل ناشطاً إعلامياً في المدينة بأن «الدولة الإسلامية» تملك حوالي ألف مقاتل في معظم أرجاء المدينة وغالبية أمرائهم لا يملكون من القيادة والحكمة شيئاً، في حين ثمة عشائر كبيرة على شاكلة عشيرة العفادلة والناصر اللتين احتضنتا تلك الجماعات المتطرفة، تسعيان حالياً على قدم وساق لتجميع قواهما ضد «الدولة الإسلامية» كونهما عانيا الأمرّين من ممارساتهم المنافية للبنية العشائرية، قائلاً: «لواء أويس القرني ولواء المنتصر بالله التابعتين لهاتين العشيرتين، يملكون قوة عسكرية قوامها 20 ألف مقاتل، بينما لواء الثوار ينحدر مقاتلوه من كلتا العشيرتين، وهؤلاء جميعاً يتمتعون بمؤازرة من قبل القيادة الثورية والجهات الخارجية».

حرب عبثية

وتشير المعلومات من داخل بلدة تل أبيض الواقعة على الحدود التركية، إن معظم العائلات العربية هربت بجلدها بسبب فرض الجهاد بالمال والسلاح على معظم القاطنين في حرب «الدولة الإسلامية» على المكون الكردي، وجرهم إلى حرب عبثية ضد وحدات «حماية الشعب الكردية» تحت ذرائع واهية، سيما أن «جبهة النصرة» و«الدولة الإسلامية» خذلتا الزعماء المحليين بعد كسب البيعة، فمنهم من لقي حتفه، ومنهم من أرسل إلى سجون «الدولة» في الرقة، بسبب رفضهم السلوكيات المطبقة بحقهم، هذه الإجراءات التعسفية أثارت نقمة الأهالي ضدهم، وقد تهيئ أرضية خصبة في توطيد التحالف مع «الصحوات» في الرقة ضد «الدولة الإسلامية».

تطبيق الشريعة

ويبدو أن إصرار «الدولة الإسلامية» في ريف دير الزور بتطبيق الشريعة الإسلامية، والتنصل من محاربة النظام، واستثمار عائدات آبار النفط والغاز لصالح مشروعها الديني، قد حض بعض الجماعات المحلية والكتائب العسكرية الانخراط في صفوف لواء «أبو العباس» ذو التوجه المدني لدرء الخطر الكامن في تحركات مؤيدي «البغدادي» الذين يسعون إلى سحب البساط من تحت أرجل الكتائب الثورية.

ويقول ناشط سياسي قريب من لواء «أبو العباس»، بأن اللواء تشكل من عدة كتائب عسكرية فقيرة التسليح، واجتمعوا معاً لتشكيل اللواء الذي يبتعد عن تطبيق الشريعة الإسلامية، ويهدف إلى إسقاط النظام، وبهذا نالوا دعما ماليا وعسكريا وإعلاميا من الجهات الخارجية، وهم متذمرون من ممارسات «الدولة الإسلامية» التي تسعى جاهدة فرض الشريعة بقالب ديني متشدد. ويضيف نفس الناشط: «تتمركز الدولة الإسلامية في ريف دير الزور، ومحاولتهم نشر دعواهم دون شن العمليات العسكرية ضد النظام، وسيطرتهم على حقل الغاز في قرية الطابية، زاد من سخط العشائر الذين اصطدموا مع جبهة النصرة سابقاً، هؤلاء يسعون إلى توحيد تحت راية لواء أبو العباس في سبيل الحد من سطوة الدولة الإسلامية التي تتغلل عبر الحدود العراقية». أساليب وتحالف

بسبب انتهاج الكتائب الجهادية أساليب متنوعة في البلاد، فإن مفهوم «الصحوات» لم ينضج بشكل كامل في المناطق الريفية في حلب وإدلب بعد حسب المراقبين، وذلك بسبب تحالف «الدولة الإسلامية» وأخواتها مع كتائب الجيش الحر بفتح جبهة عسكرية ضد النظام في الساحل، ونجاحهم معاً في تحرير مطار منغ، لكن هذا العامل لا يمنع من وجود إرهاصات داخل صفوف الأهالي في كل من: جرابلس والشيوخ ومنبج والباب على خلفية توريط السكان المحليين في حربهم مجدداً ضد الأكراد في مدينة كوباني المجاورة لتلك المناطق.