حفلت الآونة الأخيرة في واشنطن بسيرة الحلّ السياسي للأزمة السورية. موضوع التسليح انتهت منه الإدارة بعد موافقة قيادات الكونغرس عليه. لكن هذا لا يوفر المخرج. النوعية ضعيفة. الرئيس الأميركي باراك أوباما وافق على القليل من السلاح تحت الكثير من الضغط. وحتى المردود على ضآلته المتوقعة غير قريب، خاصة في ضوء خلافات المعارضة التي تحولت إلى مواجهات ميدانية.
على هذه الخلفية، عادت الأضواء إلى «جنيف 2» واحتمالاته. وزارة الخارجية الأميركية عرجت عليه يوميا. المبعوث الدولي الأخضر الإبراهيمي، الذي قضى مؤخراً عدة أيام في واشنطن بين الندوات ووزارة الخارجية واللقاءات الخاصة، تحدث هو الآخر عن واقع المساعي وآفاقها.
أما وزير الخارجية الأميركي جون كيري، فعاد ليؤكد أهمية المؤتمر، خلال زيارته قبل فترة إلى الأمم المتحدة. كل هذا الكلام تقاطع عند التشديد على أنه «لا حلّ عسكرياً» في سوريا وبالتالي «لا بديل» عن المخرج السياسي. لكن عندما سئلوا:
«متى ولو على وجه التقريب، ينعقد المؤتمر الدولي؟»، كان الجواب في أحسن الحالات: «نواصل السعي»، ما يعني اعترافاً ضمنياً بأن موعده مؤجل إلى حين مفتوح. الإبراهيمي لم يخف إحباطه ومرارته. وقيل إنه باق في مهمته لأن هناك من يتمسك به ويصرّ عليه بالاستمرار، خاصة كيري.
الموعد المفتوح
الموعد المفتوح، يقول المراقبون، من شأنه تجويف المؤتمر سلفاً. لا فائدة منه لو عقد بعد أوانه. سوريا تتفكك كنسيج وكدولة. إذا طالت الحالة الراهنة وكل المعطيات الميدانية والإقليمية والدولية تقول إنها طويلة، لن يبقى ما يصلح للحلّ. إلاّ إذا كان المقصود حلاًّ يكرّس الأمر الواقع المجزّأ على الأرض.
فالحراك «الاستقلالي» الكردي في الشمال، وصل إلى حدّ حمل أنقرة إلى توجيه تحذير لقياداته من الذهاب بعيداً في هذا الاتجاه؛ خشية انتقال العدوى إلى أكرادها الحالمين من زمان بمثل هذا الحراك. لكن التحذير قد لا يجدي، بحسب بعض المحللين. فأكراد سوريا «يرون في الظرف الراهن فرصة. فلا صديق لهم من بين الأطراف المتصارعة. ثم إن بإمكانهم الاستقواء بكردستان العراق». لاسيما وأن هذه الأخيرة تعطي الإشارات في هذا الاتجاه. وكان آخرها المؤتمر الذي استضافته في أربيل لأكراد الجوار التركي والإيراني والسوري.
دويلة الساحل
ويسرّع من حالة التفكك، ما بدأ يظهر من تفريخ لجزر كيانية في شمال وشرق سوريا تتناحر للحفاظ على مربعاتها أو لتوسيعها؛ في ما يشبه حروب صغيرة متناسلة بين القوى المختلفة المسيطرة على تلك المناطق. كانت هذه القوى مقاتلة. صارت متقاتلة. ثم هناك علامات حملت الكثير من المراقبين على الاعتقاد وبما يشبه الجزم بأن «النظام متمسك بالحكم حتى ولو على جزء من سوريا».
وفي ذلك إشارة إلى ما يسميه البعض بـ«دويلة الساحل». وفي هذا الصدد، باتت معظم التوقعات تميل إلى ترجيح احتمال أن يكمل رئيس النظام السوري بشار الأسد ولايته حتى منتصف العام المقبل؛ في ضوء التوازن الميداني الذي يستبعد تغييره بالدعم المحدود للمعارضة وبالتشقق الحاصل في صفوفها، وأيضاً في ضوء المواقف الإقليمية والدولية المعروفة.
فالميزان الذي رجح لصالحه يلزمه وقت لتعديله، وفق سياق تصبح الحرب الأهلية معه محكومة بتدمير المتبقي من عوامل اللحمة. وثمة من بين الذين يقولون بأن «لا مصلحة استراتيجية لواشنطن لكي تتدخل في سوريا»، من يرى ضمناً أن الاستمرار في الاقتتال يخدم مثل هذه المصلحة. فهو يريح إسرائيل ويستنزف قوى التطرف ومعها إيران وحزب الله.
أزمة اللاجئين
واليوم بات التركيز محصور أساساً في أزمة اللاجئين المستفحلة وكيفية إدارتها، للحيلولة دون كارثة فاضحة. أما سوريا، فمتروكة تنزف على طريق الهلاك الذي كان من الصعب تصوّره. لكن «عندما تضرب الفوضى مصر في هذا الزمن، لا يعود هناك ما لا يمكن تصوره في البلاد العربية الأخرى التي تعصف بها رياح التغيير» بحسب ما يقول مراقب مخضرم.
