لا تحتاج الإدارة الأميركية، كما يرى العديد من المراقبين، إلى أي جهد أو دعم من العراق أو وساطة لحسم الصراع السوري، لان العراق بالذات لديه من الصراعات ما يستوجب الطلب من الولايات المتحدة التدخل والوساطة، محليا وإقليميا ودوليا، لحل مشكلاته المستعصية بموجب «اتفاقية الإطار الاستراتيجي»، البديلة للانسحاب الأميركي من العراق، والتي تلزم بغداد بالمقابل بعدم التدخل في الصراعات الخارجية.
ويعرف المتابعون للشأن العراقي والسوري أن الولايات المتحدة لاعب محوري في الأزمتين العراقية والسورية.
لذا، فان ما يمكن تداوله في الملفات الساخنة، من خلال اللقاءات العراقية الأميركية، هو وقف الدعم العراقي المموه على شكل «ميليشيات» لأحد أطراف النزاع في سوريا، ووقف تسريب الأسلحة من إيران، بدعم أو تسهيل حكومي، وهو ما أشار إليه وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري بان الحدود العراقية السورية «واسعة ولا يمكن للجانب العراقي ضبطها»، مشيرا إلى أن «من يستطيع ذلك، فليتفضل»، في دعوة غير مباشرة أو رسمية، لإرسال قوات إلى العراق.
وكشفت مصادر دبلوماسية غربية في واشنطن عن حدوث تصاعد كبير، في الآونة الأخيرة، في وتيرة التدخلات الداعمة للمنظمات الإسلامية المتطرفة في كل من العراق وسوريا، وحذّرت من أن ذلك «قد يشعل في خاتمة المطاف حريقاً مذهبياً كبيراً في الشرق الأوسط».
مجموعات شيعية
فإيران، على سبيل المثال، تشرف على «لواء أبو الفضل العباس»، وهو عبارة عن مقاتلين عراقيين شيعة في الغالب يخضعون إلى تنظيم «قوة القدس» التابع للحرس الثوري الإيراني.
ويضم اللواء ثلاث مجموعات عراقية تقاتل الآن في سوريا، هي «عصائب أهل الحق» التي يتراوح تعدادها بين 2000 إلى 3000، وكانت قد انشقت عن حركة مقتدى الصدر العام 2006 بدعم من «قوة القدس» وحزب الله اللبناني، و«كتائب حزب الله» العراقية وهي نخبة من 400 مقاتل من العراقيين الشيعة المتمرسين الذين يرفعون تقاريرهم مباشرة إلى قيادة «قوة القدس»، فضلاً عن «كتائب سيد الشهداء»، وهي قوة قوامها 200 مقاتل يقودها أبو مصطفى الشيباني.
كما تشير تقارير استخباراتية أخرى إلى وجود عراقيين شيعة يقاتلون أيضاً في سوريا من أعضاء «منظمة بدر» و«لواء اليوم الموعود» التابع للصدر. وكانت «مؤسسة واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» أكدت هذه المعلومات، وأضافت إليها القول أن إيران بدأت بدفع المقاتلين العراقيين إلى سوريا ابتداء من ربيع العام 2012 بصورة متصاعدة، حيث دخل بعضهم عبر مطار دمشق الدولي على متن طائرات مدنية إيرانية، وبراً عبر الحدود العراقية، أو استقلوا حافلات الحجاج أو الشاحنات التجارية.
المقلب الآخر
كما تحدثت المصادر الأميركية عن دور مقابل بدعم الجيش السوري الحر، الذي يقال انه يضم منظمات إسلامية معتدلة، لكنها كانت في السر تمرر التمويل لمنظمات متطرفة مثل جبهة النصرة، إضافة إلى دخول مقاتلين من ليبيا ومصر وتونس وباكستان والشيشان إلى سوريا.
معطيات ودراسة
ودفعت هذه المعطيات الإقليمية «مؤسسة دراسات الحرب» الدولية، إلى وضع دراسة هذا العام بعنوان «الصراعات الطائفية والإقليمية في الشرق الأوسط»، خرجت منها بخلاصات أن «النصف الأول من 2013 شهد بدء توسُّع وانتشار الصراعات الطائفية في الشرق الأوسط، انطلاقاً من العراق وسوريا، كان حصيلة التطورات التي حدثت خلال 2012، بما في ذلك محاولات رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي تعزيز سلطته، وصعود المعارضة المسلحة في سوريا».
وأردفت أن «نقطة التحوّل في هذه الصراعات جاءت في وقت لاحق، حين خسرت المعارضة السورية بلدة القصير الاستراتيجية في أوائل يونيو لصالح قوات النظام المدعومة من حزب الله اللبناني الذي أدى تدخله إلى تفاقم كبير في عملية تطييف الصراع ومذهبته».
واستطردت أن «العنف الطائفي الذي تدعمه قوى خارجية، بات يفرض تهديدات وجودية على دول المنطقة الهشة أصلا، التي يشجِّع ضعفها أو حتى فشلها على بروز هويات تناصب مفهوم الدولة الوطنية العداء، كما يحدث حالياً في سوريا، ولكن أيضاً بزخم لا يقل قوة في العراق، حيث جعل من سوريا والعراق ساحة معركة واحدة».
نهاية
قالت مصادر دبلوماسية غربية إنها «لا ترى نهاية قريبة للصراعات الطائفية التي يحركها التنافس الإقليمي، إلا في حال اتفقت الدول الكبرى، خاصة روسيا والولايات المتحدة، على أن الحريق المذهبي الشامل في المشرق العربي، يمكن أن يشكل تهديداً للأمن الدولي». البيان