واصلت الضاحية الجنوبية لبيروت لملمة آثار التفجير الذي ضرب منطقة الرويس، ورسم بالبصمات الدامية التي أصابت عشرات العائلات ملامح خطر غير مسبوق في انزلاق لبنان تدريجياً نحو مسلسل التفجيرات، وسط انكشاف سياسي داخلي لا يبدو أن ثمة ملامح جادّة لاحتوائه.

والتفجير الثاني من نوعه، الذي استهدف معقل حزب الله وجمهوره في منطقة الضاحية الجنوبية، متخطياً كل الإجراءات الأمنية، كان أكثر إيلاماً من الأول الذي طاول منطقة بئر العبد بكل ما تعنيه الضاحية من رمزية سياسية وأمنية.

ومردّ ذلك هو ضخامة عدد القتلى والجرحى والدمار. وإذ قيل إن السيارة التي فُجّرت في الضاحية، وكانت محملة بأكثر من 100 كيلوغرام من المتفجرات، بحسب الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، والذي لم ينفِ احتمال وجود انتحاري، كانت قيد الرصد إثر خروجها من منطقة لبنانية محدّدة جغرافياً، فإن الفرضيات كثيرة، من إسرائيل إلى الجماعات الأصولية والسلفية، ولا سيما أولئك الرافضين لمشاركة الحزب في القتال الدائر في سوريا.

اهتزازات أمنية

سياسياً، وفيما المنفّذ لا يزال متوارياً، بصرف النظر عن هويته، تكرّر السيناريو نفسه الذي بات عنوان كل الاهتزازات الأمنية في لبنان، أي الاستنكارات والاستهجانات من قبل السياسيين اللبنانيين، على اختلاف انتماءاتهم، بدون أن يبحثوا بـالمسبّبات التي تجعل الساحة مستباحة أمام كل أنواع الخروقات.

وفي حين شكّل الالتفاف حول الضاحية عامل ارتياح، من حيث الوقوف العام ضد استدراج لبنان إلى الفتنة، فإن الوقائع التي توافرت عن التفجير أثارت مزيداً من المخاوف من طبيعة الوسائل التي توظّف في هذا المسلسل الذي يخشى أن يتخذ طابعاً تصعيدياً. ذلك أن التفجير الذي حصل، وبحسب مصادر أمنية، كان احترافياً بامتياز، وأتى بعد تصريحات علانية لمجموعات مسلّحة تهدّد الحزب بالانتقام منه في الضاحية وفي بيئته الحاضنة.

واستناداً إلى المصادر ذاتها، فإن الفلتان الأمني الذي يشهده لبنان منذ مدة وجد له بيئة حاضنة في الانقسام السياسي الذي تخطّى كل الحدود، حتى باتت القوى السياسية ترفض الجلوس إلى طاولة الحوار من أجل التوافق على بعض الأمور التي قد تمنع انزلاق البلاد نحو المجهول.

مظلة عربية

وسط هذه الأجواء، وفي ظل اتجاه أصابع الاتهام الى الجهة نفسها التي نفّذت التفجير الأول في محلة بئر العبد قبل نحو 40 يوماً، وفي ضوء ما تجمّع من معطيات وأدلّة ومعلومات، فإن عدداً من المواقف ضجّ بسؤال كبير، مفاده: «هل سقطت مظلة الحماية العربية والدولية التي حكمت الاستقرار اللبناني منذ العام 1990 حتى يومنا هذا؟».

وكان هذا السؤال في صلب معظم المقاطع التي تضمّنها خطاب الأمين العام لحزب الله، وهو لم يكتفِ بتحديد دور المجموعات الأصولية، طالباً استدراك ما يمكن استدراكه، وإلا فإن «مسلسل التفجير سيستمر، وسيتسع بحر الدم ومعه خطر الفتنة وسقوط لبنان في الهاوية».

 

مسؤولية أخلاقية

قالت مصادر سياسية لبنانية إن ما حصل في الرويس «يلقي على الدولة مسؤولية أخلاقية واجتماعية ووطنية، من أجل الدفع نحو حكومة وحدة وطنية، والدعوة إلى جمع طاولة الحوار الوطني تحت عنوان إعادة تثبيت مظلة الحماية الدولية والعربية، كأولوية لا تتقدّم عليها أولوية أخرى، في هذه اللحظة الوطنية الاستثنائية والمصيرية». البيان