لم يكن النظام السوري يضع في حساباته أن يحقق الثوار كل هذه الانتصارات في شهر رمضان، فقد كرس في وسائل إعلامه أن معركة القصير ستكون الضربة القاصمة لظهر المعارضة المسلحة، وهي المعبر الذي سيدخل من خلاله جيشه ومليشيات الشبيحة والميليشيات المتطوعة للقتال من دول الجوار، إلى حلب لاستعادتها في معركة أسماها عاصفة الشمال.
ولكن، تبين أن رمضان، الذي افتتح بمعركة الخالدية التي سيطر النظام فيها على ضريح الصحابي خالد بن الوليد بعد معركة استمرت قرابة الشهر دمر خلالها الحي الحمصي العريق، اختتم بهزيمة نكراء لقوات النظام في معركة مطار منغ العسكري، وفتح الثوار لجبهة الساحل وتوجههم نحو القرداحة مسقط آل الأسد، واقتراب تحرير محافظتي القنيطرة ودرعا الجنوبيتين، وذلك بعد تحرير بلدة خان العسل الاستراتيجية التي كانت أشبه بمخفر خلفي لقوات النظام المرابطة في حلب.
انتصارات ميدانية
هذه الانتصارات الميدانية للثوار، نظر بعض المراقبين إليها على أنها نتيجة حتمية لوصول إمدادات السلاح التي وعدت بها بعض الدول التي لا تخفي دعمها للجيش الحر، خصوصا أن الأحاديث خرجت من السر إلى العلن بأن إدارة ملف دعم المعارضة السورية انتقلت من بلد إلى بلد.
ولكن مراقبين آخرين يرون أن التغييرات التي حصلت على الارض بالإضافة إلى وصول بعض الإمدادات غير الكافية، تتمثل في انهيار متسارع لقوات النظام، وانكفاء لمقاتلي حزب الله نتيجة الضغوط اللبنانية الداخلية على الحزب الذي انفرط عقد تحالفه مع كتلة الاصلاح والتغيير برئاسة النائب ميشال عون.
وقرأ هؤلاء المراقبون في كلمة الرئيس بشار الأسد في احتفال ليلة القدر تعبيرا عن حالة الانكسار التي يعيشها، فهو لم يعد بالنصر كما اعتاد أن يفعل في خطاباته بل وعد بالصمود، الأمر الذي يفسر، حسب هؤلاء تركيز الإعلام على انتصار هامشي جدا في أحد أحياء حمص المحاصرة لا أهمية استراتيجية ولا تكتيكية له، مقابل الهزائم الكبيرة التي مني بها في درعا والجولان وحلب وإدلب وأخيراً على جبهة الساحل.
قوي على الارض!
وأعاد ذلك إلى الأذهان كيف كان يفكر النظام منذ بداية الثورة السورية، فخلال زيارته الشهيرة إلى مبنى التلفزيون السوري ولقائه العاملين فيه في الاسابيع الاولى من اندلاع الثورة، قال الأسد يومها إن معركته إعلامية بالدرجة الاولى، وأن موقفه قوي على الارض وضعيف في الفضاء، ويعني الفضائيات، ولذلك اتخذ النظام منذ ذلك الوقت استراتيجية مفادها أن الانتصار العسكري لا قيمة له إن لم يكن مدعماً بالإعلام، ولذلك دأب الاعلام السوري على الحديث عن «انتصارات» الجيش النظامي و«اللجان الشعبية»، مقابل هزائم «العصابات الإرهابية» الأجنبية التي تقتل على أرض سوريا تنفيذا لمخطط خارجي.
لعبة إعلامية
هذه اللعبة الإعلامية، حسب المراقبين، هي التي ستقصم ظهر البعير، فقد بنى النظام عالماً متكاملاً من الوقائع التي تستند إلى الإعلام، وركز الأنظار على أماكن معينة من الصراع وقاده نحو الصراع الطائفي، وأقنع جمهوره بمسار بعيد عن الواقعية، وهذا سيصل في نهاية الأمر إلى مأزق مع التقدم الميداني للجيش السوري الحر والمجموعات الاخرى المقاتلة التي تحاصر معظم معاقل النظام في المحافظات السورية، وسقوط هذه المعاقل مسألة وقت ليس أكثر.
ولذلك يرى المراقبون ان الإعلام يمكن أن يخلق وهماً بالانتصار لبعض الوقت، ولكنه لا يمكن أن يخلق حالة انتصار طوال الوقت.
معجزة
في الوقت الذي كان الثوار يحتفلون بانتصارهم في معركة مطار منغ، كان وزير دفاع النظام يحتفل مع جنوده بانتصار الخالدية، معلناً ان ما فعله جنوده في حي الخالدية المحاصر يشكل حسب جميع المعايير معجزة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
