لم يكن الربيع العربي ربيع ثورات أسقطت أنظمة تربعت على عرش السلطة لعشرات السنوات فحسب مثل ما هو الحال في تونس ومصر وليبيا واليمن، وإن كان سقوط النظام اليمني الذي كان يترأسه الرئيس علي عبدالله صالح مختلفاً بعض الشيء غير أن المتأمل لمجريات الأحداث لا سيما في ليبيا من بعد ثورة 17 فبراير التي أطاحت بالعقيد الراحل معمر القذافي بمقتله في اكتوبر 2011 أفرزت مجموعة من التداعيات على مستوى المجتمع الليبي، حيث بدأت القبيلة تأخذ دور الريادة وتراجع دور الدولة والمواطنة، ما فتح المجال للعديد من الفئات التي كانت وإلى وقت قريب مهمشة أن تبرز وتطالب بأحقيتها في اللعبة السياسية.

ويبدو من مجريات الأحداث أن مطالب الأمازيغ في ليبيا تجاوزت الإطار الثقافي وأخذت مجرى سياسياً ترجمه الإعلان عن تأسيس مجلس اعلى لإدارة شؤونهم السياسية في فبراير الماضي، مطالبين بدستور يعترف بهم ويساوي بين الليبيين كافة وكانت الخلاصة في الإعلان عن تأسيس المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا يعنى بالشؤون السياسية لهذا المكوّن من الشعب الليبي. وفي هذا السياق، أوصى مؤتمر عقد في طرابلس تحت عنوان: «ملتقى الاستحقاق الدستوري لأمازيغ ليبيا» بأن ينص الدستور الليبي الجديد على ان «الهوية الليبية هي هوية دولة ليبيا بعمقها الأمازيغي العريق» وبإدراج اللغة الأمازيغية لغة رسمية لليبيا «متساوية مع غيرها من اللغات الرسمية في قيمتها لدى جميع الليبيين».

وشدد الأمازيغ في بيانهم على ان «الدستور الذي سيكون محل اعتراف وتقدير منا هو الدستور الذي يعترف بنا وكل الليبيين على قدم المساواة».

انطلاقة من الميدان

ويبدو أن الحراك الأمازيغي في ليبيا انطلق من الميدان قبل أن يترجم في المؤتمرات والمجالس، إذ يرى مراقبون أن تظاهرات الأمازيغ في العاصمة طرابلس في نوفمبر من العام 2011 أمام وداخل مقر مجلس الوزراء في العاصمة ضد الحكومة الانتقالية برئاسة عبدالرحيم الكيب حينها كانت بمثابة نقطة تحول نحو المطالبة بإشراكهم في الحياة السياسية وأنهم جزء لا يتجزأ من ليبيا، حيث رفع المتظاهرون حينها لافتات ورددوا شعارات تندد بإقصائهم وتهميشهم، مطالبين الكيب بالاعتذار عن تشكيلة الحكومة كونها تمت «بناء على عملية إقصاء وتهميش للبعض ممن ضحوا بدمائهم في سبيل ليبيا»، وطالبوا ممثليهم في المجلس بتجميد عضويتهم، ودعوا كذلك للتظاهر وممارسة الضغط السياسي والإعلامي الديمقراطي والسلمي.

ويرى مراقبون أن الحراك الأمازيغي في ليبيا اتجه إلى العنف مستندين إلى حادثة إغلاق أمازيغ ليبيا من سكان نالوت الليبية بجبل نفوسة (الجبل الغربي) خط الغاز الليبي الذي يمر عبر المدينة ويغذي مجمع مليتة النفطي احتجاجا على اعتماد البرلمان قانون انتخاب الهيئة التأسيسية التي تكتب دستور ليبيا الدائم في 26 يوليو الماضي، حيث قامت مجموعات من أمازيغ الجبل بإغلاق خط الغاز عبر المدينة، والتي تعتبر إحدى أكبر المدن الأمازيغية، ويقوم هذا الخط بتغذية مجمع مليتة النفطي من حقل الوفاء بحوض مدينة غدامس الحدودية، والتي تقع غرب طرابلس، ويغذي مجمع مليتة النفطي إيطاليا بالغاز عبر أنبوب بحري.

قانون الاعتراف

وتحت وطأة الضغوط أصدر المؤتمر الوطني العام في 31 من الشهر الماضي قانونا اعتبر بموجبه لغات الأمازيغ والطوارق والتبو من المكونات اللغوية والثقافية للمجتمع الليبي، ومنح أحقية الناطقين بها تعلمها ضمن المناهج الدراسية للبلاد بصورة اختيارية، غير أن ذلك يبقى غير كاف لدى الأمازيغ الذين يطالبون بتمثيل أكبر في البرلمان على اعتبار أنهم لا يمثلون الأقلية في المجتمع الليبي من وجهة نظرهم.

٪10

يشكل الأمازيغ عشرة في المئة من سكان ليبيا، وهم يعيشون في مناطق جبل نفوسة شمال غرب ليبيا وزوارة وغدامس جنوب غرب ليبيا.

ويطالب أمازيغ ليبيا بالإضافة إلى أمازيغ تينيناي (أمازيغ الصحراء) وهم قبائل التبو والطوارق بدسترة لغتهم ومنحهم حقوقهم الثقافية والعرقية في الدستور المرتقب.