أصدر القضاء التركي الاثنين الماضي حزمة من الأحكام في قضية شبكة آرغينيكون الانقلابية بعد ما يزيد على ست سنوات من اعتقال قياداتها، ما طرح السؤال الجدلي: هل من علاقة بين التوقيت والتطورات التي تعيشها المنطقة وأزمة الحكم التي تتلاطم أمواجها في مصر بين العسكر وحلفاء نظام الحكم في تركيا. لا شك في أنّ الأحكام الصادرة في القضية التي تعتبر من أطول القضايا وأكثرها استقطاباً في تركيا تحمل في طياتها الكثير من الرسائل، داخليـاً وخارجيـاً.. رغم أنّ كثيراً من المراقبين يرون أن القضية التي تعود خيوطها إلى العام 2003 تنحصر في إطار الجهود التي تقوم بها الحكومة للحد من تدخل الجيش في الحياة العامة، ويربطون الأحكام بـالمقرّرات التي أفرزها اجتماع مجلس الشورى العسكري يوم السبت الماضي.
لكن الحكم، الذي مرّ بهدوء، عدا بعض المظاهرات والاعتصامات غير الصاخبة وغير المؤثّرة، لا يمكن تجاوزه بسهولة في تركيا التي شهدت ثلاثة انقلابات قام بها الجيش في 1960 و1971 و1980.. ولا يمكن تجاهل الرسائل، وإنْ تك غير موجّهة إلى طرف محدّد، إلى الخارج.. فضلاً عن المضامين الداخلية في ظل أوضاع ضاغطة غير مسبوقة على القيادة التركية، وبخاصة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان الذي يبدو من سياق الأحداث المتلاحقة منذ مايو الماضي تاريخ انبثاق حركة الاحتجاج في ميدان تقسيم ومن بعد في المدن الأخرى أنّه قرّر اللجوء إلى المطرقة السياسية.
واللافت أنّ قضية آرغينيكون كان يطلق عليها في البداية اسم المطرقة قبل أن يتلاشى المصطلح تدريجياً مع مرور الشهور. ولكن الأحداث الإقليمية والتطوّرات الداخلية استدعت هذا التحوّل في نهج الحكم التركي الذي يطبق عليه كابوس الانقلابات العسكرية بين فينة وأخرى.
وتظهر طريقة تعامل الحكومة التركية مع القضية، والأخص حيثيات الحكم المركّب والمطوّل الذي طال مئات من المدانين، حرصاً على «التبرير»، وربما توطئة لتدابير أخرى في المواجهة المفتوحة مع العلمانيين وحماة الأفكار الأتاتوركية واليسار في ضوء اضطراب سياسي إقليمي لافت.
لقد نجح أردوغان حتى الآن في نزع أنياب جنرالات الجيش، وفرض أجندته على عقدية الجيش، وباتت له الكلمة الطولى في اختيار قادة الجيوش وهيئة أركان الحرب.. ولكن ذلك لا يعني أنّ المواجهة حسمت، فالمعركة بين العسكر والحكومات المدنية، وبخاصة في تركيا، معركة صعبة ولا تخلو من كر وفر.. والعقود الأربعة الأخيرة من القرن الماضي خير دليل على أنّ الجيش التركي لن يأمن للحكومات التي سيبقى مضجعها قلقاً من أي انقلاب أو تقلّب للأحوال وللمزاج الشعبي العام.
